الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٦٦يدرك بالمعالجة؛ كتصوير البشر من الماء، وإنشاء الشجر، وغير ذلك من أفعال الاختراع.
فإذا علم بدليل العقل أنّ الصنعة لا تقوم بذاتها إلا بصانع صنعها، وحكيم يخترعها؛ علم أنّ النطفة لا تتصوّر بنفسها يدًا، ورجلا، وكلامًا، وعقلا؛ فلو اجتمع الحيوان العقليّ على أن يردّ إلى الجسد بعد تصويره أصبعًا واحدًا بعد زواله -فضلا عن إنشائه-؛ لعجزوا، فإذا عجز الحيوان الذي يتأتى منه العقل والتمييز؛ فغير العاقل أعجز، وإذا عجز الحيوان العاقل؛ فالجماد الذي بمنزلة الموتى أبعد وأبعد. فإذا ثبت ما ذكرنا بضرورة العقل؛ صحّ أن المصنوعات لا تتصور بنفسها، ولا تقوم بذاتها؛ لكن بقدرة مكوّن الكائنات، وخالق الأرض والسموات، هو ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ﴾ الآية [السجدة:7،8].
مسألة: ومنه: فإن قال: فهل يحيط به علمك أو يضبطه وهمك؟ قيل له: تعالى عن ذلك، فقولك: يحيط به؛ يحتمل معنيين: إن كنت تريد: أحيط به علمًا بأنّه موجود؛ فنعم. وإن كنت تريد: يحيط به علمي بالمشاهدة والإدراك جهرة؛ فلا.
فإن قال: ما معنى قول الله - عز وجل -: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:110]، وقد زعمت أنّك تحيط به علمًا بأنّه موجود؟ قيل له: إنّ معنى قوله - عز وجل -: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾؛ /39/ بما مضى أمامهم ولا بما يأتي بعدهم، ألا ترى إلى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه:110]، فيه دليل على ما ذهبنا إليه من تأويلنا؛ أنّه أراد أنّهم لا يحيطون علمًا بما بين أيديهم، ولا ما خلفهم، وأنّه محيط بذلك؛ يدلّهم على ضعفهم ونقصهم؟