الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٦٧فإن قلت: فكيف يحيط علمك بما لا يقدره عقلك، ولا يضبطه وهمك؟ قيل له: قد أخبرناك أنّ الإحاطة إحاطتان: إحداهما: إحاطة بالشيء بأثره ودليله. وإحاطة أخرى: إدراك له جهرة، ومشاهدة بالحواس، والله تعالى تقدّست أسماؤه لا يحاط به علمًا بالجهر، ولا تدركه مشاهدة الحواسّ؛ وإنّما يحاط به علمًا بالدلائل والعلامات التي تبصرها العقول، ويضطرّ الخصوم إلى الإقرار بأنّه واحد ليس له شبيه.
فإن قال: كيف يسكن قلبي إلى اعتقاد ما لا يتصوّر في وهمي ولا يحضره عقلي؟ قيل له: هلمّ نخاصمك إلى نفسك، فنقول لك: فلا ينبغي (ع: فلينبغي) لنا أن نرجعك إلى ما تعرفه من نفسك من عجائب ما يحلّ في جسمك من روحك، وعقلك في قلبك، وحجّة جوارحك المتّصلة ببدنك؛ هل يتصوّر شيء من ذلك في وهمك شبحًا ماثلا في عقلك؟ فإذا كنت مقرًّا بمثل ذلك في روحك وعقلك، وحواسك من لطيف سمعك وبصرك الذي مع حلولها فيك معتقد لذلك مقرّ به.
وإن كان وهمك لا يحصره، وعقلك لا يقدره؛ فكيف بالله الذي ليس كمثله شيء - عز وجل - أن يشبهه شيء، أن يتصوّر في(1)، وهو تعالى أبعد شبهة من جميع خلقه.
وأيضًا فإنّ الأمور على جنسين: جنس منها ظاهر مدرك محسوس. وجنس غائب لا يدرك بالحواسّ بمخالفته المحسوسات.
(1) هكذا في النسختين. ولعلّه: في وهمك.