الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٦٨فالظاهر المحسوس مستغنٍ بظهوره عن الدليل عليه، ولا تنازع بين الحيوان في إدراكه. وأمّا الأمور /40/ الغائبة عن الحواسّ؛ ففي العلم بها التفاضل والتباين؛ فباستخراجها بأدلّتها وجبت المعرفة للعلماء بها، وبانوا من الجهّال بإدراكها؛ فثبت وجودها بأعلامها الدالّة عليها؛ فسكنت النفوس عند اعتقادها، والإقرار بها، وإن لم تتصوّر في الأوهام أشباحًا ماثلةً؛ ولو كانت الأمور متصوّرةً في الوهم مدركةً بالحواس؛ لم يجب التفاضل في العلم، ولم يكن لازدياد العلوم معنى؛ فهذا القدر كافٍ في هذا.
فإن قال: فمن زعم أنّه يدرك بالحواسّ ما هو؟ قيل له: قد ذكر في كتاب السؤالات أنّه مشرك ما خلا حاسّة البصر؛ في الآخرة من زعم أنّه يدرك بها؛ فهو كافر منافق متأوّل.
فإن قال: فهل يجوز على الله - عز وجل - يرى الألوان ويبصرها؟ قيل: نعم؛ على معنى يدركها: يعلمها، ويسمع الأصوات؛ أي: يعلمها.
مسألة: ومنه: فكلّما تخيّل في وهمك، أو تكيّف في عقلك، أو تمثّل في نفسك، أو تكوّن في فكرك؛ فاعلم أنّ الله - عز وجل - وصفاته بخلاف ذلك؛ لأنّه لا يدرك ببصر ولا بصيرة؛ لأنّ الله - عز وجل - لا يشبه المخلوقات في شيء من الصفات، ولا يوصف بالسكون، ولا بالحركات؛ فكلّ حادثة في الوجود لا تخلو(1) من ثلاث تقييدات: الجنس، والزمان، والمكان؛ فهذه التقييدات هي حدّ العقول لا تتعدّاه، وهو العجز عن التكييف، وليس للعقول وراء ذلك مجال تجول فيه إلا غموض الوحدانيّة، وصفات الربوبيّة؛ لا يطلع على ذلك إلا الجبّار الأعظم، لا
(1) هذا في ق. وفي الأصل: يخلو.