الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٧٤وكلّ ما غاب عن الحواسّ لا يتصور في الوهم. والكيف يجري على وجهين: على الألوان فتقول: كيف هو؟ فيقال: أحمر، أصفر. والثاني يجري على الحدود والأحداث؛ أن تقول: كيف هو؟ فيقال: طويل، عريض، صحيح، سقيم. فهذان الوجهان لا يجريان على الله - عز وجل -.
فإن قال قائل: من أيّ السبيل يعرف؟ قيل له: إنّما يعرف بالدلائل الدالّة على ربوبيّته، ولا يعرف من جهة ما يعرف به الخلق؛ لأنّ الخلق إنّما يعرف كلّ شيء منه من جهة سبيله؛ فالخلق كلّه خمسة أصناف: منها الألوان، وسبيله الذي به يعرف هي الإبصار. وصنف منه الأصوات؛ وسبيله الإسماع. وصنف منه الطعوم؛ وسبيله الإلماس، (لعله أراد: الذوق). /46/ وصنف منه بالأيدي؛ وسبيله الإلماس. (قال غيره: وصنف منه المشموم؛ وسبيله الأنف، ع: رجع) فهذه الأشياء تعرف من هذه الأسباب، فإذا أدركت الأشياء المختلفة من قبل هذه الأسباب؛ فهذه دلائل على معرفة الرحمن الرحيم؛ الذي ليس كمثله شيء. وأمّا الأسباب التي يدرك بها الدلائل؛ فلا يدرك الربّ تعالى بها؛ وذلك لأنّ البصر ليس له إليه سبيل؛ لأنّه تعالى ليس بلون؛ وإنّما سبيل البصر إلى اللون خاصّة. وسبيل السمع إلى الصوت خاصّة، وليس هو بصوت. وسبيل الذوق إلى الطعم خاصّة، والله تعالى ليس بطعم. وسبيل الشمّ إلى الرائحة، والله تعالى ليس كذلك. وسبيل اللمس إلى الليانة والخشونة والحرارة والبرودة؛ فليس هو شيء من هذه الأشياء، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ وإنّما يعرف ربّنا بالآيات، ويثبت بالعلامات التي جعلها في كبير الخلق وصغيره الدالّة على ربوبيّته ووحدانيّته.
فإن قال: فكيف يعتقد قلبي من لا يدركه وينطوي على من يكيّفه؟ قيل له: أتقدر على تكييف روحك وعقلك وفعلك وصحّتك وحياتك، وسائر