الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٧٧ما علمتها؛ لأنّي علمتها بالمقابلة والمحاذاة، وغير ذلك ممّا بيني وبينه مسافة، وكلّ ذلك لا يجوز على الله تعالى.
وضرب آخر؛ إنّي علمت الأشياء بعد إذ كنت بها جاهلا، وأعلمها بآلة؛ فإذا حلّت بي الآفة؛ عاد علمي بها جهلا، والله تعالى لا يجوز عليه ذلك، والله أعلم.
مسألة: إن قال قائل: إذا قلت: إنّ الله تعالى يحدث الشيء لا من شيء، وأنت تحدث الشيء لا من شيء؛ فما الفرق؟ قيل له: بيني وبينه فروق كثيرة؛ أحدها: إنّي أحدث الشيء لا من شيء بآلة، وإرادة، وضمير، وجَوَلان فكر، وحركة، وسكون، والله تعالى يحدث الأشياء لا بشيء من ذلك. وفرق آخر: إنّي أفعل الشيء، ولا أعلم عواقبه إلاَمَ يؤول. وفرق آخر: إنّي لا أفعل إلا لاجتلاب نفع، أو دفع ضرّ. وفرق آخر: إنّي أفعل الشيء على أنّه صواب؛ فيكون خطأ، أو على أنّه خطأ فيكون صوابًا، وكلّ هذا منفيّ عن الله تبارك وتعالى.
فإن قال: فما الذي فعلته لا من شيء؟ قيل له: فعلت الصلاة لا من شيء؛ لأنّ الصلاة لم تكن موجودة قبل أن أصلّيها، ولو كانت موجودة؛ كنت مصليًّا. /49/ وإن لم أصلّ؛ فكأنّ لا فرق بين من صلّى وبين من لم يصلّ؛ وكذلك الصوم، والزكاة، والحجّ، وجميع ما افترضه الله تعالى، وكذلك سائر أفاعيل العبيد. ألا ترى أنّ الرجل يقتل الرجل فيقاد به، وتؤخذ منه الدية؛ فلو كان القتل موجودًا قبل فعله؛ لكان المقتول مقتولا قبل أن يقتل، ولم يجب على القاتل شيء؛ لأنّه لم يفعل شيئًا، ففعل الشيء من شيء لا يجوز على ما تقوله الملحدة.
ويفعل الرجل القيام والقعود، وغير ذلك من فعله؛ وكلّ ذلك لا من شيء، وقد يفعله من شيء؛ لأنّه يفعل قيامًا في نفسه، وقعودًا في نفسه، وقتلا في غيره.