الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٧٩وقوّتها وصحّتها وكمال خلقها؛ لم تقدر على خلق جسم -وإن صغر ذلك الجسم- ولو ذرّة؛ فكيف تحدث أنفسها وهي عدم؟ وقد قال الله /51/ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج:73]، فمن أضعف ممّن إذا سلبته الذبابة شيئًا لا يقدر أن ينزعه منها؛ فكيف أن يخلق خلقًا؟
مسألة: إن قال قائل: أخبروني، أخلق الله الأشياء من شيء أم لا شيء؟ قيل له: لا من شيء خلقها؛ لأنّه إن كان خلقها من أصل كان معه؛ فليس يخلو أن يكون ذلك الأصل خلق من شيء كان قبله، أو خلق من لا شيء قبله، وكان الكلام في ذلك الشيء كالكلام في الأصل؛ وهذا يؤول إلى الفساد، وإلى ما لا يصحّ، ولا يجوز؛ لأنّ هذا يؤدّي إلى ما لا نهاية له.
وإن قال: خلقت الأشياء من أشياء كانت قبلها؛ لم يتوقّف عند آخر ذلك، ولم يجهل العلم به، وثبت أنّ الله تعالى خلق الأشياء واخترعها وأخرجها من العدم إلى الوجود لا من شيء؛ لأنّه إذا كان لا بدّ من القول بأحد الوجهين، وفسد أحدهما؛ صحّ الآخر.
فإن قال: فما يدريكم لعلّ الأشياء أحدثت نفسها؟ قيل له: لو كانت أحدثت نفسها؛ لا تخلو من أن تكون أحدثت نفسها في حال وجودها أو عدمها، فإن كانت أحدثت نفسها في حال وجودها؛ فوجودها يغني عن إيجادها مرّةً أخرى؛ لأنّ الموجود مستغنٍ عن الوجود؛ وإنّما يوجد المعدوم فيصير موجودًا بعد أن كان معدومًا.
ولو كانت أحدثت نفسها في حال عدمها؛ لكان المعدوم فاعلا للوجود. ولو كان كذلك؛ لكان لا فرق بين المعدوم والموجود في العلم، والفعل، والإرادة؛ فلمّا