الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٨٥فإن قال: أوليس الأزل لا شيء ولا خلق؟ قيل له: إنّك إذا قلت: إنّ الله كان في الأزل؛ لم يذهب وهْم أحدٍ أنّ الله في شيء ولا في خلق؛ لأنّ الأزل معناه: عدم الأشياء، وعدم الخلق. ويقال: الله في الأزل كائن وموجود، وشيء؛ معنى ذلك كلّه: الإثبات.
فإن قال: أخبرني عن كونه في الأزل؛ أهو كونه عندما أحدث الأشياء، وعن كونه بعدما أحدثها؛ أهو كونه إذا هو أفناها؟ قيل له: إنّ كونه - عز وجل -، ووجوده ليس هو شيء غيره قبل ما أحدث الأشياء، وعندما أحدثها، وبعدما أفناها؛ فأمّا كونه في الأشياء؛ فهو غيره؛ وهو إحداثه لها وتدبيره إياها. /57/
مسألة: فإن قال قائل: فما معنى قولكم: الله بكلّ مكان؟ قيل له: معنى ذلك: إنّه موجود غير معدوم، ولا غائب؛ وهو تعالى في الأشياء مدبّر، محيط، عالم؛ على غير اجتنان فيها، ولا مماسس لها.
فإن قال: كيف يفعل شيء يكون في الأشياء غير مماسس لها، ولا اجتنان(1) فيها؟ قيل له: كما كان جلّ اسمه بخلاف ما يفعل؛ من كون الشيء في الشيء على المماسة؛ مع أنّا قد نجد أشياء يكون في بعضها الأشياء على غير مماسة؛ وذلك أنّا إذا قلنا: فلان في الصلاة، وفلان في الحجّ؛ لم نذهب إلى أنّه مماسّ للصلاة والحجّ؛ لأنّ الصلاة ليست بجسم فيجوز عليها المماسة؛ وإنّما نذهب إلى أنّ فلانًا هو مصلّ، فاعل لصلاته، مؤدٍّ لحجّه، وكذلك يجوز لنا (ع: ونقول):
(1) جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنًّا سَتَره، وكلُّ شيء سُتر عنك؛ فقد جُنَّ عنك، والاجْتِنان: الاسْتِتار. لسان العرب: مادة (جنن).