الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٨٦بأنّ الله في الأشياء مدبّر لها؛ وإن كان بخلاف الخلق؛ غير أنّ مرادنا: الدلالة على أنّ الشيء قد يكون في الشيء على غير مماسّة.
مسألة: فإن قال: أخبرني حيث انقطعت الأشياء؛ هل يوصف الله أنّه ثمّ أم مضى عنها؟ قيل له: لا يجوز مضى، ولا بقي؛ وإنّما يجوز ذلك على الأجسام التي لا تنفكّ من الحدود والأقطار، والعرض، والطول، والهيئات، ويجري عليه التجزّؤ، والانقسام، ومرور /58/ الأوقات؛ غير منفكّة من الجهات. فقولك: حيث انقطعت الأشياء هو ممّا ليس بخلق، ولا مكان، ولا شيء من الأشياء.
فقلت: هل يوصف ثمّ(1) (ع: بأنّه) موجود هناك؟ فصار أوّل كلامك ناقضًا آخره، وآخره ناقضًا أوّله، وليس وجود الله في الأشياء كوجود الأشياء بعضها في بعض؛ فيلزمه ما يلزم الأشياء من العرض، والطول، والحدود، والأقطار؛ يتعالى الله عن ذلك.
مسألة: فأخبرني عن الجنّة والنار؛ هل يوصف الله بأنّه ثَمَّ؟ قيل له: قد فرغنا من هذا الجواب؛ فإنّ الله تبارك وتعالى صانع لكلّ مكان، ممسك له، قادر عليه؛ فلا يكون في موضع من المواضع؛ ككون الشيء في الشيء؛ من أماكن الدنيا والآخرة، والجنّة والنار؛ ما خلا القول بأنّ الله في السموات والأرض؛ اتّباعا لقوله - عز وجل -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:3]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزُّخرُف:84]، وما سوى ذلك من الأماكن والخلق. إنّما يقال: إنّه في كلّ مكان، ولا يقصد إلى مكان دون مكان، ولا إلى شيء من الأشياء؛ فيقال: إنّه فيه؛ لأنّ ذلك يوهم التحديد له؛ تعالى الله عن ذلك؛ ومع
(1) وردت في النسختين من غير تنقيط.