الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٨٧ذلك لا ينفى عن مكان من الأماكن، ولا عن شيء من الأشياء؛ فيقال: ليس فيه، وكذلك لا يقال: إنّ الله في الأشياء الماضية ولا في الأماكن الفانية، /59/ وكذلك الأماكن الجائية التي لم توجد بعد؛ من أماكن الآخرة، والجنّة والنار؛ فإنّ ذلك يوهم أنّ غير الكائن كائن، وأنّ الفاني من ذلك موجود غير فانٍ.
فإن قال: ما معنى قولهم في التوحيد، ويقال: إنّ الله خلا من الأماكن، ولم تخل منه الأماكن؟ قيل له: إنّ الله خلا من الأماكن؛ أي: لم تتمكّن فيه الأماكن، ومعاذ الله أن يكون مكانًا لشيء من الأشياء، وتكون ذاته محلا للمعاني، كما زعم قوم من أهل الخطأ: إنّ ذاته - عز وجل - محلّ للصفات؛ وهي مع ذلك متغايرة؛ فجعلوه تعالى مقامًا للأشياء المتغايرة، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا.
وأمّا قولهم: ولم تخل منه الأماكن؛ أي: إنّه - عز وجل - في الأماكن على التدبير والحفظ من الزوال، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا﴾ [فاطر:41]، وقال: ﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:33]؛ فلهذا المعنى الذي فسّرناه؛ صار هذان الوجهان توحيدًا. وأمّا قولهم فيمن قال: إنّ الله لا يخلو من الأماكن، وخلت منه الأماكن؛ فهذان الوجهان شرك؛ فإنّ معنى قولهم: لا يخلو من الأماكن؛ أي: إنّ الأماكن حالّة فيه وموجودة به؛ لأنّ لا يخلو، ولا ينفكّ، ولا يتعرّى؛ معناها واحد. وقولهم: خلت منه الأماكن؛ يريد أنّها منفكّة من أن يكون الله خلقها، وجعلها على ما هي به من اتّفاق ما اتّفق منها، واختلاف ما اختلفت. فمن زعم أنّ الله غير خالٍ من الأماكن، ولا عارٍ منها؛ فقد وصفه - عز وجل - بأنّه وعاء للأماكن؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فمن