الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٩٠أحدها: إنّ المعنى في ذلك أنّه قريب غير منفصل عن الخلق؛ فتكون بينه وبين الخلق قربة؛ تعالى الله عن ذلك، فالقرب صفة له - عز وجل - على نفي الانفصال والعزلة؛ لأنّ ذلك من صفات الأجسام.
فأمّا البعيد؛ أي: إنّه ليس بملتزق بالخلق، ولا مماس؛ فهو بعيد عن نفي الالتزاق عنه؛ لأنّ الأشياء عند المتكلّمين ليس تنفى إلا بأضدادها؛ فالجهل ينفى بالعلم، والعجز ينفى بالقدرة، والكره ينفى بالإرادة، وكذلك الانفصال ينفى بالقرب، والالتزاق ينفى بالبعد، والقريب لا يكون منفصلا، والبعيد لا يكون ملتزقًا.
والوجه الثاني: قريب وبعيد، إنّ القريب في صفة الله - عز وجل - على غير الالتزاق، والبعيد في صفة الله - عز وجل - على غير الانفصال؛ أي: إنّ قربه ليس كقرب المخلوقين، وبُعده ليس كبعد المخلوقين؛ وهذا المعنى الثاني من الوصف له - عز وجل - بالقرب والبعد على غير ما يوصف به أحد من الخلق؛ لأنّ قرب الخلق ملازقة ومماسة، وبُعده مفاصلة ومفارجة؛ وهذا الجواب الثاني هو الذي أجاب به في كتاب الشيخ أبي الربيع، فالأوّل جواب سليمان بن حفص /63/ الفراء.
والوجه الثالث: من معاني الوصف بقريب وبعيد؛ أي: قريب يعرف، وبعيد لا يشاهد بالحواسّ؛ كأنّه قريب المعرفة بالدلائل، وبعيد المعرفة بالمشاهدة.
والوجه الرابع: قريب من صفات الوحدانيّة، ومن كلّ صفة يوصف بها - عز وجل -؛ أي: إنّه موصوف بصفاته، وبعيد؛ أي: من صفات الخلق؛ لا يشبهه الخلق في شيء، ولا يشبهه في شيء؛ وهذا مثل ما يقال: داخل في صفات العدم، خارج من صفات الحدث؛ والمعنى: إنّه موصوف بصفاته، غير موصوف بصفات خلقه.