الجزء 33
الجزء ٣٣ · صفحة ٤٥٩ولعلّ من قوله في ذلك حجة؛ إنّ الحق ها هنا لله تبارك وتعالى، وإنه يرجى له العفو عنه لما مضى، قال: لأنه لم يثبت أنّ عليه البدل بثبوت كتاب، ولا سنّة بعينها، ولا إجماع من المسلمين، بل قد جاء في ذلك الاختلاف.
وقال من قال: إنه ما ضيّع العبد من حقوق الله تبارك وتعالى كلّها ثم تاب؛ فإنّه إنّما عليه أن يصلح ما يستقبل من أموره، ومن أمر دينه وليس عليه فيما يستأنف من حقوق الله تبارك وتعالى كلّها تبعة إذا رجع إليه بصدق نيّته، ويروى في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتاه آت -وأحسب أنه أعرابي- فأحسب أنه وصف للنبي - صلى الله عليه وسلم - ذنوبا له أو عليه، ثم قال: ما تقول يا رسول الله لو أني أخذت سيفي هذا فضربت به في سبيل الله حتى أقتل؟ فالمعنى من ذلك من مجاز قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للّذي قال له القائل: إذن يغفر الله لك، فخرج القائل له بذلك على مجاز الرواية لا على حقيقة الأمر، فلمّا خرج القائل له من عنده نزل له جبريل فيما قيل صلى الله عليهما فقال له: «يا رسول الله، إلا الدّين»(1). فثبت في تأويل الرواية /505/ أنّ القتال كان كفارة للآثام التي وصفها له السائل إلا حقوق العباد، فالتوبة كفارة له.
فإن قال قائل، فلعلّ ذلك إنما هو خاصّ للسائل إذا سأل عن الجهاد، فإذا لم يكن سؤاله ذلك أن لو قاتل في سبيل الله بسيفه ذلك حتى يقتل؛ فالجواب عليه في ذلك أنّا لم نجد أنّ الله تبارك وتعالى ألزم المذنبين الجهاد، وإنما ألزمهم الله التوبة، ولو كان الجهاد كفارة للذنوب لم يكن المنافقون يقتلون تحت راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكان كلّ من جاهد لعله مع رسول الله، أو في سبيل الله - عز وجل -؛ كان
(1) سيأتي عزوه بلفظ: «إنّ أعرابيا أتى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن أمر الجهاد … ».