الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١١٦ففي الآية دليل على تشابه الأشياء وتقاربها؛ إذ مدح نفسه أنّه ليس كواحد منها؛ فلم يستثن جليلا من لطيف، ولا ضياء من ظليم، ولا حيًّا من ميت، أشرك في قوله: الملائكة والجنّ والإنس، والنور والظلمة، والشمس والقمر، وجميع المخلوقات؛ فقضى عليها بأنّها لا تشبهه، ولا يشبهها في اسم، ولا صفة، ولا ذات، ولا فعل، فأطبق أهل التوحيد على ما ذكرنا في بدء الإسلام.
فذهبت المشبّهة بعد ذلك إلى تخصيصها؛ فزعموا: أنّه ليس كمثله شيء في العلم، والقدرة، وسائرها من الصفات الإلهيّة، وأمّا في الصور والهيئات زعموا فلا، وقد /80/ أثبتنا نحن وهم للإله - عز وجل - وجودًا وحياةً وعلمًا وقدرةً، في سائرها ما (ع: ممّا) وصف به نفسه في القرآن، فنظرنا إلى نفي هذه الصفات عن الله - عز وجل - بعد إثبات القرآن إيّاها محال، وتشبيها إلى أنفسها (ع: أنفسنا) محال، وإبطال لفائدة قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11]، والعقل من وراء ذلك شاهد عدل، وحاكم فصل، ولم يبق إلا الإيمان به وبصفاته، والنفي عنه لجميع صفات مخلوقاته؛ فقصرت أوهام المشبّهة أن يصحّ عندهم وجود فاعل ليس بجسم؛ إذ لم يشاهدوا إلا ذلك؛ فأوجبوا جميع الصفات الموجودة في القرآن جسمانيّة، تعالى الله عمّا نحلوه علوًّا كبيرًا.
فهؤلاء يقولون: إنّ كلّ ما خرج من أوهامهم فليس بموجود؛ فهاهم لم يقدروا على تكييف أرواحهم وعقولهم، وسائر الحواسّ المركّبة فيهم؛ فكيف بمن ليس كمثله شيء جلّ عن أن يشبهه شيء.
مسألة: ومنه: فيقال لهم: زعمتم أنّ الله تعالى جسم، فإن قالوا: لأنّه فاعل؛ والفاعل لا يكون إلا جسمًا؟ قلنا: إنّما صار الجسم لعلّة التأليف؛ فيلزمكم -