الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١٢١وذهب آخرون إلى غير هذا المذهب فقالوا: إنّ الله - عز وجل - يحدث هذا القول عند خلق ما يخلق من الأشياء؛ لأنّ فيه عبرة لمن سمعه من الملائكة، ودلالة لهم على أمور يستحدثون المعرفة بها؛ لأنّهم إذا سمعوا ذلك علموا أنّ الله خلق خلقًا، أو سيخلقه في عب(1) قوله، أو في الوقت الذي قال له: "كن فيه"؛ كأنّه إذا سمعوا قول الله تعالى لمن عدا في السبت: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:65] علموا أنّ الله قد مسخهم قردة؛ فلمّا سمعوا قوله: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:44] علموا بذلك انقطاع المطر، وغيض الماء، والصواب لا يخرج من هذين الوجهين، والله أعلم وأحكم بالصواب؛ غير أنّي كتبت ما وجدت في كتب الأوّلين؛ وأمّا تكوين مخاطبة وفرض كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء:135]، وما أشبه ما ذكرنا من الأوامر.
فصل: ومنه: فإن قال قائل: ما معنى قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة:5]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:10]، /85/ وقوله: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16]، وقول الحواريّين لعيسى - عليه السلام -: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [المائدة:112]؟ قيل له: إنّ الله - جل جلاله - بكلّ مكان، وفي كلّ مكان بلا حواية ولا اجتنان، فليس مكان أحقّ أن يدبّر منه الأمر أولى من مكان؛ لأنّ الأماكن كلّها له؛ فيدبّر ما شاء، من حيث شاء؛ لا لعجز يلحقه من بعضها دون بعض؛ فأنزل الوحي، وأرسل الرسل، ورزق الأرزاق، وأنزل(2) الأمطار، وسائر ما ذكرنا من الآيات،