قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ١٢٢

وفجّر الأرض، وأخرج منها أصناف المعاش من النبات وسائر المعاش؛ فلو كان تدبير الأمر من السماء يوجب أنّه هناك؛ لكان إخراجه النبات من الأرض يدل أنّه فيها دون السماء.

ومعنى قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:10]؛ أي: يصعد إلى المكان الذي لا يتولّى الحكم إلا الله سبحانه، فيرفعه؛ أي: يقبله؛ لأنّ الله تعالى جعل السماء موضعًا لديوان أعمال العباد؛ فجعل ما ينتهي من طيب كلام العباد إلى ذلك الموضع صعودًا إليه، ورفعًا له، وعلى أنّ الرفع أيضًا قد يكون على غير معنى الصعود من سفل إلى علوّ، ألا ترى إلى قولهم: ارتفع إلى القاضي الخصمان، ورفع الجاني إلى السلطان؛ فلصعود العمل إلى الله تعالى ورفعه إليه وجه مثله وخلافه؛ فكلّ ذلك لا يوجب تشبيهًا، ولا يدلّ أنّ الله حالّ في شيء من الأماكن، وقد قال إبراهيم - عليه السلام -: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:26]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:100]، ويقال للحُجّاج: زوّار الله؛ وهم وفد الله، ويقال للميت إذا مات: /86/ صار إلى الله، ولقي الله.

وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْ‍ئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ [النور:39] محاسبًا له ومجازيًا على عمله، وقال: ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16]؛ أي: أمره في السماء؛ فليس المراد أنّه ساكن في السماء، ولا كائن في مكان دون مكان؛ فلو حمل جميع ما ذكرنا على ظاهره لتناقض القرآن، واختلّ البيان، ولكنّ الله تعالى لمّا جعل السماء مسكن ملائكته، ومهبط وحيه، ومكان عرشه، ومن جهتها تسمع الملائكة الوحي جاز أن يصف نفسه أنّه في السماء على معنى التدبير والاقتدار لا على معنى السكنى والقرار، فكانت مسألة الحواريّين إنزال

١٬٤٥٧ / ٣٦٬٧٥٥