الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١٢٦والله تعالى تعبّد الخلق بفنون من العبادات؛ وإن كان لا يخلو منه مكان إلا وهو به عالم وعليه قادر، نافذ فيه أمره؛ لا أنّه في الأماكن على التنقّل، والمكث، جلّ الله عمّا قال الملحدون علوًّا كبيرًا.
فإن قال: أفتقولون: إنّ الله مع كلّ داخل وخارج؟ قيل له: نعم؛ على أنّه مع كلّ شيء حافظ وقادر، وعالم ومدبّر؛ لا أنّه داخل في الشيء على أنّه محلّ له، ولا خارج منه على حدّ الإبانة منه، ولا على جهة المماسة له، ولا على الالتزاق، تعالى الله عن ذلك.
فإن قال: أفتقولون: إنّه في المواضع القذرة النجسة؟ لأنّ قولكم هو في كلّ شيء، ومع كلّ شيء. قيل له: إنّ تلك المواضع هي مواضع تدبيره؛ فلا يقال هو تعالى في المواضع القذرة، ولا النجس ولا الطاهر؛ بمعنى الحلول فيه، وأيضًا فإنّ هذا القول مجانب للتعظيم؛ وهو سبحانه لا يوصف إلا بالتعظيم، والإجلال، والتنزيه له في جميع الأمور والصفات، تعالى الله علوًّا كبيرًا. /90/
مسألة من كتاب الإرشاد: والأدلّة على وجود الله تعالى؛ فيكفي في ذلك ما أرشد إليه القرآن، وليس بعد بيان الله بيان، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:6،7]، إلى قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ:16]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية [آل عمران:190]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح:15]، إلى قوله: ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح:18]، وقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:58،59]، فليس يخفى على من له أدنى عقل وتمييز؛ إذا تأمّل بفكره مضمون هذه الآيات، واستدلّ بنظره على عجائب الأرض والسموات، وأصناف الحيوان، والجماد،