قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ١٢٧

والنبات أنّ هذا الأمر العجيب الذي أحكم غاية الإحكام، ورتّب هذا الترتيب؛ لا بدّ له من صانع يدبّره، وفاعل يحكمه ويقدره؛ بل تكاد فطرة النفوس تشهد بكونها مقهورة تحت تسخير، ومصرفة بمقتضى تدبير؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:10]، وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:30]، فإذاً في فطرة الإنسان، وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة برهان؛ ولكنّا على سبيل الاستظهار والاقتداء بالعلماء النظّار نقول في انطباق فطرة العقول: إنّ الحادث لا يستغني في حدوثه عن محدث يحدثه، فالعالم بأسره حادث؛ لأنّ كلّ حادث لا بدّ له يكون مختصًّا بوقت يجوز في تقدير تقدّمه وتأخّره، واختصاصه بوقت معلوم يفتقر بالضرورة لمخصّص.

وأمّا قولنا: إنّ العالم حادث؛ فبرهانه أنّ أجسام العالم لا تخلو عن الحركة /91/ والسكون؛ وهما حادثان لأجل اتّفاقهما، ووجود البعض منهما عقيب الآخر؛ وذلك مشاهد في جميع الأجسام، فما من ساكن إلا والعقل قاضٍ بجواز حركته، وما متحرّك إلا والعقل قاضٍ بجواز سكونه، فالطارئ منهما حادث لطروئه، والسابق حادث؛ لأنّه لو ثبت قدمه لاستحال عدمه؛ فلمّا ثبت أنّ الأجسام لا تخلو من الأعراض، وإنّما تتعاقب على الأجسام؛ فهي حادث، وما لم يسبق الحادث؛ فهو حادث مثله، فإذا ثبت حدوثه؛ كان افتقاره إلى المحدث من المدركات الضرورة، والله أعلم.

١٬٤٦٢ / ٣٦٬٧٥٥