قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ١٣٩

لم يزل في الأزل، منفردًا بالألوهيّة الأزليّة، واجبة له صفة الوحدانيّة السرمديّة، لغير علّة كانا له؛ لأنّ وجوده كان قبل كون وجودها؛ إلا هو الملك الحقّ، له الأمر والخلق، يحيي ويميت، وهو حيّ دائم لا يموت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير؛ خالق كلّ شيء ومالكه؛ فهو المحدث لما سواه، وما سواه محدث له، أحدثه بعد أن لم يكن؛ فأخرجه من العدم إلى الوجود بجوده، فخرج بإخراجه إيّاه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وكان بعد أن لم يكن كما شاءه وأراده، وكذلك ما يكون من المكونات؛ فتكوينه في الكون يكون /105/ في وقته من جميع ما هو كائن في علمه أنّه سيكون في وقت ما يكون من الكائنات، جلّ عن الضدّ والمشابهة، والندّ والمقايسة، والحدّ والمماثلة، والكيف والأين والمعادلة؛ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:102]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:65] كلا؛ إن كان أو يكون فـ ﴿اهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:46].

له الأمر من قبل ومن بعد؛ لا يجوز عليه العدّ والحدّ، ولا المعارضة له بالضدّ والردّ، خلق المكلّفين من الخلق للعبادة، وجميع الكائنات للدلالة والشهادة؛ فكانت الكائنات كلّها من العرش إلى الفرش سبلا متّصلة إلى معرفته، وصارت بالضرورة ناطقة بوحدانيّته، شاهدة بألوهيّته؛ لظهور الافتقار إلى الواحد القهّار.

ومن جوده أظهر في الوجود فنون توحيده لأولي التعبّد من عبيده، وأوضح لعباده سبل العبادة، وألزمهم كلمة الشهادة، وقد سبق في سابق الإرادة إيمان من يؤمن به ويعبده، وكفران من يكفر به ويجحده، ولا يكون إلا ما كان في علمه أنّه كائن؛ ولكنّه أراد بقيام الحجّة وإيضاح المحجّة أن يهلك بالمعصيّة من هلك عن بيّنة، ويحيا بالطاعة من حيي عن بيّنة، ولو شاء غير هذا لكان؛ ولا يكون ما شاءه إلا عدلا كما لم يكن هذا منه إلا فضلا؛ ولكنّه من فضله ومحض تفضّله،

١٬٤٧٤ / ٣٦٬٧٥٥