الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١٤٠وخالص كرمه أراد أن لا يعذّب إلا بعد الحجّة، كما لا يثيب إلا بحجّة؛ فأنزل الكتب تتلى، وأرسل الرسل تترى، وجعل في كلّ أمّة بشيرًا نذيرًا /106/ ولكلّ قوم هاد، خبيرًا بصيرًا، وأنار بنوره منار سبل توحيده لمريد الوصول إلى حقيقة تفريده؛ حجّة واضحة منه لمريده، وعلى من ذهب به الجهل إلى تنديده، وإلى الإلحاد فيه وتحديده؛ فانكشف قناع الوهم لأهل الإرادة، وظهر الحقّ لأهل الصدق من ذوي العبادة، وعميت حقيقة المنهج الأهدى، على أهل الجهل والعمى بعد البيان، وقيام البرهان، ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:149]، ﴿وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [النحل:93]، ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ [الكهف:17]، ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:23].
وفعله كلّه عدل، وإحسانه كلّه فضل، فمن عذّبه فبعدله، ومن رحمه فمن فضله، ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ﴾ [العنكبوت:21]، ولا يعذّب إلا من عصاه واتّبع هواه، كما لا يثيب إلا من أطاعه واتّقاه، وهو الخبير الحكيم العليم، شديد العقاب والعذاب، الغفور الرحيم، الواحد الأحد، الفرد الصمد، ليس له والد ولا ولد، ولم يكن له كفؤا أحد. أبدع الأشياء كما شاء، ولما شاء؛ وهو على كلّ شيء قدير، وبكلّ شيء عليم، خلق الإنسان والملائكة والجانّ ليبتلي أولي الألباب العاقلة بالعلم والعمل؛ لينظر كيف يعملون وهو العليم بما عملوا، أو ما يعملون وسيعلمون، فسبحان من جعل الشقاوة والسعادة مركزة تحت دائرة العبادة!