الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ١٤٥فذهب ذاهبون إلى أنّ معرفة الله تعالى اضطراريّة، جُبلت في قلب الإنسان، معلقة بالعقل، لا تنفصل لاستحالة انفصالها عن العقل، وأنّه يستحيل انفصالها عن عقله كاستحالة زوال بعض أعضائه. وذهب ذاهبون إلى أنّ معرفة الله تعالى معرفتان: أوّلها اضطرارية وهي غزيريّة(1)، والثانية /111/ اكتسابيّة. وقال من قال: إنّ معرفة الله تعالى اكتسابيّة؛ ومنهم الشيخ أبو الحسن البسياني.
ودليل من قال إنّ معرفة الله تعالى اكتسابيّة: إنّ الله تعالى لمّا نصب عليها الدلائل، وأمر بالنظر العلمي والفكري في تلك الدلائل المنصوبة، وأعدّ الثواب لمن امتثل ذلك، والعقاب على المفرط الرادّ التارك لما أمر به من ذلك؛ دلّ على أنّها اكتسابيّة؛ لأنّ الاضطراريات لا يعدّ الله عليها ثوابًا، ولا يتوعّد عليها عقابًا، كما لا يعدنا على ما خلق فينا من الجوارح الثواب، أو يتوّعدنا عليها بالعقاب؛ فدلّ عند هؤلاء أنّ معرفة الله تعالى اكتسابيّة لا اضطراريّة.
ومن قال: أوّلها اضطرار خلق من الله، والثانية اكتساب من أصحابنا بشير.
مسألة: وممّا يستدلّ بالشاهد على الغائب.
قال المؤلّف: وذلك أنّ العاقل إذا رأى نارًا؛ علم أنّ كلّ نار كذلك حكمها، كما رأى تلك النار في الشاهد، وكذلك إذا رأى الحيوان لا يقع إلا على التناسل؛ حكم بذلك لعلّة على ما غاب عنه من جنس الحيوان أنّه واقع على التناسل، ويستدلّ بالبناء على الباني، والكتاب على الكاتب، والأثر على المؤثر، وأمثال هذا ممّا يستدلّ بالشاهد على الغائب، وبالله التوفيق.
(1) هذا في ق. وفي الأصل: غزيرة. ولعلّه: غريزية.