قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 35

الجزء ٣٥ · صفحة ٢٤٩

فلا نعلم أن أحدا من الذين اهتدوا بهداه، ولا من جميع الأمة يدين بتحريمها، ولا بتحريم شيء منها على الإطلاق، بارها وفاجرها، بل كلهم مجموعون على حلها وإباحتها بالكتاب والسنة والإجماع، /258/ لا يختلفون في ذلك، حتى ذهب بعض من ذهب على أنه كل ما عدا قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام:145]؛ إنه حلال، إلا القرد؛ فإنه لاحق بها، والدم المسفوح، هو كل دم سفح من كل جرح طري من حيوان بري، ذي دم أصلي من جميع ذوات الأرواح البرية، ذوات الدماء الأصلية، والدماء المسفوحات من جميع الدواب والطيور البريات، ذوات الدماء الأصليات، محجورات محرمات، وللطهارات والطاهرات فاسدات بإجماع الجميع إتباعا للكتاب، والمحجور من الدواب كالقرد والخنزير لا يكاد يطهر، ويحل شيئا من دمائها، مسفوحا كان أو غير مسفوح؛ فهو رجس محجور محرم البتة.

وأما سوى ذلك من الأنعام والطيور الحلال المجمتع على حلها؛ فالمجتمع على تنجيسه وتحريمه؛ وإنه حرام محجور نجس يفسد جميع الطاهرات، وجميع الطهارات هو دم الأخداس الطرية والمذابح والمناحر، فلم ينق المناحر والمذابح بالماء الطاهر المطهر تطهيرا لها بالغسل، وما سوى ذلك من الدماء، كدم /259/ اللحم والأوداج، والكبد والطحال منها بعد تنقية المذابح والمناحر بالغسل؛ يختلف فيها، ولا يتفق عليها، ولا على شيء منها في حلها وحجرها، وطهارتها وتنجيسها، والأشهر(1) في دم الكبد والطحال الطهارة مع الحل؛ لقول رسول الله

- صلى الله عليه وسلم -: «أحل لكم ميتتان ودمان؛ ميتة الجراد والسمك، ودم الكبد والطحال»(2) فالميتتان لا اختلاف(3) في حلها، وأما الدمان؛ ففيهما الاختلاف، والأصح طهارتهما مع الحل، وأما الدواب السبعية كالضبع والثعلب، وما أشبههما من الدواب والطيور التي قد جرى في حكمها الاختلاف مثلهما؛ فيخرج عندي معنى ما يشبه معنى استحسان ثبوت معنى الاختلاف في دمائها؛ فيخرج عندي من معنى قول من يقول بتحريمها في دمائها أنها محجورة محرمة، ومفسدة غير طاهرة في كل حال، مسفوحة أو غير مسفوحة؛ ويخرج عندي على معنى قول من يقول بحلها أنها بمعنى دم الأنعام، في المسفوح منها وغير المسفوح.

وأما الدواب البريات الخارجات من ذوات الدماء الأصليات، إلا أنها من المجتلبات للدم، الحلم(4) والقرد، والذئاب والبعوض، /260/ والبق وما أشبهها، فيجري فيما اجتلبته من الدماء الاختلاف في حلة وطهارته؛ فقيل بحلة وطهارته. وقيل بحجره ونجاسته. وقيل ما كان كالظفر، أو ما إذا جمع، كان كالظفر نجسا، وما دون ذلك؛ فليس بنجس، والأصل في الدماء إذا وقف عليها واقف حجرها عليه، وعدم إباحتها له، وكونها نجسة غير طاهرة، ومحجورة غير محللة له إلا بحجة توجب صحة إباحتها وطهارتها، وأنها من الدماء المباحة الحلال غير المحرمة المحجورة، وإلا فهي نجسة محرمة، وأحكامها أحكام المحرمات المحجورات كالميتة، ولحم الخنزير، قد حرّم الله لحمه؛ فهو حرام، يحرمة الله إياه، لا يحل لأحد طعمه

(1) هذا في ق. وفي الأصل: الأشر.

(2) تقدم عزوه بلفظ: «أحلت لكم ميتتان … ».

(3) في الأصل: الاختلاف. ث، ق: لاختلاف.

(4) هذا في ث. وفي الأصل: كاللحم. ق: كالخلم.

١٤٬٩٥٥ / ٣٦٬٧٥٥