الجزء 35
الجزء ٣٥ · صفحة ٢٦٤ويمكن أن يكون نهي أدب أو كراهية، وما ثبت من المعلولات؛ أمكن فيه المقالات.
ومن هاهنا ذهب كل مذهب إلى أصل يذهب إليه فيه؛ فذهب قوم إلى تحريم ذوات الأنياب من السباع والمخاليب من الطير، بظاهر النهي؛ وذهب آخرون إلى تحليلها، وقالوا النهي صحيح، إلا أنه يخرج على معنى الأدب، لا على معنى التحريم، كما نهى عن أكل الثوم والبصل، وقال: «من أكل هاتين الشجرتين؛ فلا يقرب مجسدنا هذا»(1)، وهذا لا يخرج عندي، إلا على معنى الأدب لا التحريم، ولا نعلم في ذلك اختلافا، وليس كل المناهي والأوامر والمقالات على ظواهرها عندي؛ الدليل على ذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»(2)؛ يخرج معناه الحث على قيام المسجد بالجماعات، والمسارعة إلى الفضائل، لا أنه لا صلاة له أبدا؛ لأن الإجماع أنه لو صلى في غير /280/ المسجد؛ لأنه مصل في الحكم، ونهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل ذوات الأنياب من السباع والمخالب من الطير، كنهييه عن أكل الثوم والبصل عندي.
وذهب آخرون إلى الكراهية من غير تحريم، إلا أنه على سبيل التنزه للشبهة؛ فهذا ما وقع الافتراق بالرأي فيه، ووقع الاصطلاح من الأمة على إباحة جميع الأنعام من البقر والإبل، والمعز والضأن، والظباء والأوعال، والأروي واليامور،
(1) أخرجه الروياني في مسنده، رقم: 952. وأخرجه بلفظ قريب كل من: أبي داود، كتاب الأطعمة، رقم: 3827؛ وأحمد، رقم: 16247.
(2) أخرجه الربيع، كتاب الصلاة ووجوبها، رقم: 256؛ والحاكم في المستدرك، كتاب الطهارة، رقم: 898؛ والبيهقي في الكبرى، كتاب الصلاة، رقم: 4942.