الجزء 35
الجزء ٣٥ · صفحة ٣١٢واختلفوا في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل شراب أسكر فهو حرام»(1)، مع إتفاقهم على تصحيح الرواية؛ فقال قوم: كل ما أسكر منه الكثير؛ فالقليل /334/ منه والكثير حرام. وقال قوم: المحرم منه الذي يسكر دون ما لا يسكر، وأن الشربة التي تسكر هي حرام، وهذا الأخير هو الذي يذهب إليه من دان بتحليل شربه من أصحابنا، وإذا كان الاختلاف بين الناس؛ فالخبر على ضربين، ففسد أحدهما وصح الآخر، والنظر يوجب إذا كان صحيحا أن قول من قال: إن الشربة التي حدث معها السكر هي المحرمة دون غيرها؛ إن ذلك إغفال ممن قال؛ إذ محال أن يحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - الشيء بعدما فعل الفاعل له، واستحلال تحريمه للشيء بعد فعل الفاعل له يقع، وإنما حرم شرب المسكر قبل شربه، وغير جائز أن يحرم شيئا، ويكون ذلك الشيء المحرم غير معلوم؛ إذ لو كان ذلك كذلك؛ لما وجد العباد السبيل إلى الطاعة؛ لأن المطيع متى قصد إلى فعل ما أمر [بفعله، ويترك ما أمر](2) بتركه، وهو غير عالم به؛ فغير جائز أن يحرم الله شيئا، ولا يدل عليه بدليل أمر هو به، فلما استحال ما كان ذكرنا عندنا وعند من اختار غير اختيارنا؛ علمنا أن الله حرم قليل السكر وكثيره على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وفي صحة ما أخبرنا دليل على إغفال من قال إن المحرم الشربة التي تسكر، والله أعلم.
ودليل آخر: إن الله تعالى لا يحرم /335/ شيئا إلا وقد بين ذلك الشيء، وينهى عن فعله قبل موافقة الفاعل له، ولو كان الشيء محرما بعد فعل الفاعل
(1) أخرجه الربيع، كتاب الأشربة من الخمر والنبيذ، رقم: 629؛ والبخاري، كتاب الوضوء، رقم: 242؛ ومسلم، كتاب الأشربة، رقم: 2001.
(2) زيادة من ث.