الجزء 35
الجزء ٣٥ · صفحة ٣٩٨وكان نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة ? عن أكل التراب نهي أدب، لا نهي تحريم، ونهيه للأدب مخافة المضرة؛ لأنه قال - صلى الله عليه وسلم - أنه «يغير البدن ويرم منه البطن»(1).
مسألة: أجمع أهل الاستقامة وفقهاؤهم على تحريم شرب دخان التتن، وأظهروا الإنكار على شاربيه، وشددوا عليهم، وعاقبوهم بالحبس الطويل، والعقوبة الموجعة.
فإن عارض معارض فقال: بأي حجة حرمت علماؤكم دخان التتن، وقد خالفهم في ذلك أكثر أهل القبلة، وقالوا إنهم لا يجدون دليلا يدل على تحريمه؟ قيل: فالحق يكون حقا في نفسه، وإن جهله من جهله، وليس الجاهل بما حرم الله عليه مبيحا له بما هو محجور عليه، وإنا نسألك عن الدخان الذي ادعيت إباحة شربه، أهو من الطيبات أم من الخبائث؟ فإن /434/ قالوا من الطيبات؛ فقد كابر عقله وقال بما لم يقل به أحد، وكفى مؤونته وسقطت عنا مجادلته، وإن اعترف وقال: بل هو من الخبائث؛ قيل له: إن الله قد حرم الخبائث جملة بقوله: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:157]، فمن ادعى إباحة شيء مما حرّم الله من الخبائث؛ لم يقبل منه إلا بدليل من كتاب ناطق، أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو إجماع من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن نكس على رأسه وقال: لا، بل ليس هو طيبا ولا خبيثا؛ قيل له: ففي قياد قولك هذا هو من المشتبهات، والرواية الصحيحة من الرسول - عليه السلام - أنه قال: «كل مشتبه
(1) أخرجه بمعناه كل من: أبي نعيم في تاريخ أصبهان، 1/ 216؛ وابن عساكر في تاريخ دمشق، 51/ 112؛ وابن الجوزي في الموضوعات، 3/ 33.