قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ١٨٣

وقيل في تكريرهما: إنّ "الرحمن" أشدّ مبالغة من وجهين: أحدهما: إنّ "فعلان" من أبنية المبالغة، كقولك: "غضبان" للممتلئ غضبًا، و"سكران" للمنزوف سكرًا، وما أشبه ذلك. ووجه آخر: إنّ اسم (خ: أسماء) الفاعلين إذا جرت على أفعالهم لم يكن فيها معنى المبالغة؛ فضمّ التكرير للمبالغة، ولا يجوز للمخلوق أن يتسمّى بالرحمن، وكانت العرب تقول: "الرحمن"، كما قال الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء:110].

قال الشاعر:

عجلتم علينا إذ عجلنا عليك … وما شاءه الرحمن لا بدّ واقع

وقدّم "الرحمن" على الرحيم؛ لأنّ "الرحمن" اسم خاصّ، والرحيم اسم مشترك، ويقال: "رجل رحيم"، ولا يقال: "رحمن"؛ فقدّم الخاصّ على العامّ.

قال أبو عبيدة: "الرحمن" مجازه "ذو الرحمة"، و"الرحيم" مجازه "الراحم"، كما قيل: "ندمان" و"نديم"، وقد يجيء اللفظان مختلفين ومعناهما واحد.

ومن غيره: وأنشد:

فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تسقني بالأصغر المتثلم

وقال آخر:

رزئنا أبا حرب ولا حيّ مثله … وكان أبو حرب أخي ونديمي

وقد أُنكر على أبي عبيدة قولُه "مجازه ذو الرحمة"؛ ومعناه: إنّ الرحمة لازمة له لا تفارقه، ولا تغيّره، ولا إذا قال: الرحيم فمجازه "الراحم"، واسم الفاعل من رحم، وقد يكون ماضيًا، وحالا، ومستقبلا؛ فهذا القول منه يوجب الفرق بينهما، ثمّ قال: بعدهما بمنزلة "نديم وندمان"؛ فجمعهما بمعنى واحد بعدما جعلهما لمعنيين، وهذا لعمري يوجب الردّ على قائله.

١٬٥١٨ / ٣٦٬٧٥٥