الجزء 36
الجزء ٣٦ · صفحة ١٤٩في أرضه على خلقه، ولكن المكاتبات بين المسلمين واجبة، والنصائح لازمة تذكرة وتنبيها للملوك، لما هم فيه من كثرة الأشغال من معاناة أمور الرعية، ومقاسات ما يجدوه من كثرة المعاندات والمخاصمات، وخاصة في هذا الزمان والله المستعان وهو حسبنا وكفى.
واعلم أيها الإمام إن الله سبحانه قد أجعلك محلا عاليا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملكك طائفة من ملكه، وأشركك في شيء من حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك فلا ترض أنت أن يكون أحد أولى منك بالشكر له، وإن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك فلا يكون أحد أطوع لله منك له، وليس الشكر باللسان، ولكن بالفعال والإحسان، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:13]، واعلم أن الذي أصبحت فيه من الملك، لم تبق له، ولم يبق لك، ولو أنه بقي لمن قبلك لم يصل إليك، إنما صار إليك إلا بموت من كان قبلك، فاجتهد رحمك الله في طلب راحة رعيتك بتعب نفسك، وأغني مسكينك بمخمصة بطنك، تكن مع الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، واصبر على مرارة 76 س الصبر، واحتمل زلة رعيتك، ووقر كبيرها، وارحم صغيرها، وتفقد أمورها، واسأل الله تعالى أن يمن عليك بتوفيقه لمرضاته، والصبر على ما ابتلاك من أمور عافى غيرك منها، يوصلك به ملكا دائما، ونعيما لا يزول في دار تبقى فيها الصحة، ويذهب عن أهلها النصب واللغوب، ويجعلنا وإياك رفقاء إخوان على سرر متقابلين، فيالها نعمة ما أجلها، وعطية ما أعظمها، جلت وعظمت عند من رزقها، ونالها وصغرت وهانت عن من وهبها،