قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 36

الجزء ٣٦ · صفحة ١٧٧

مسألة: ومن خرج داعيا إلى الله، قد قضى دينه، ويرى(1) ساحته، ووصل رحمه، وخرج على بصيرة من دينه فقد تفرغ لأمر آخرته، سائرا في بلاد الله، يقيم العدل والهدى، ويمضي لأمر الله قدما، قد طرحوا أثقال الدنيا، وخفت منها ظهورهم، وقضوا من مآربها حوائجهم، وفرغوا من أحزانها همومهم، ليسوا بأهل خصومة، ولا رشوة، ولا غفلة، /91 م/ ولا طلب بالجنات، ولا أخذ بالشبهات، ولا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، بل يحبون ما ستر عنهم من ذنوبهم العباد، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «استروا يستر ما ستر الله عليكم، وارفقوا يرفق الله بكم»(2)، وإن خرجوا خرجوا بصدق وإخلاص لله، وإخبات وخوف من الله، يسألون الله قتلا في سبيله، ولا يطلبون البقاء في الدنيا، قد تفرغوا، وفرغوا أنفسهم للقاء الله، كذلك يخبر الله عنهم إذ يقول: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:23]، لم ينقضوا بيعتهم، ولم يخونوا ربهم، ولم يرضوا بالدنيا لأنفسهم، بل كانوا يدعون الله أن يعجلهم من الدنيا قتلا في سبيله، يرجون تجارة لن تبور، حملة العلم، وروضة الفهم، والخيرة في العباد خائفة أجسادهم، وجلة قلوبهم، مرتعدة فرائصهم، باكية أعينهم، حسن سمتهم، يحبهم من أخذ بسنتهم، ويأمن بهم من تفرد منهم، ويستأنس بهم من جاورهم(3)، ليسوا بأهل بطر ولا سرف، ولا تجسيس، ولا اغتياب ولا أذى، قال الله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ

(1) هكذا في النسختين، ولعله: وبرأ.

(2) لم نجده.

(3) ث: جاوزهم.

١٥٬٣٢٧ / ٣٦٬٧٥٥ الأصل المصوَّر ٢ م.ب.