الجزء 37
الجزء ٣٧ · صفحة ٤٠فإن قالوا: أليس قد عذر الحَيُّ الناهي وعذب القاعدين؟ قيل له: بل عذب الذين امتنعوا من القبول بقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:165].
فإن قال: يجوز للمؤمن أن يجالس أهل المنكر والسفه، وهم يخوضون في منكرهم وباطلهم؟ قيل له: لا يجوز ذلك. فإن قال: لم لا يجوز؟ قيل له: بل يجب عليه الإعراض عنهم إلى أن يتركوا ذلك.
فإن قال: فلم نهيتم المؤمن عن مجالسة الظالمين وأهل السفه في حال منكرهم وخوضهم وباطلهم؟ قيل له: إن الله - عز وجل - قد نهى نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن مجالستهم بقوله - عز وجل -: /22 م/ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:68]، ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:69]، بعد الإنكار عليهم بالموعظة لهم، ويدل على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:69].
وقال تبارك اسمه في موضع آخر: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء:140]، وقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:72]، زعموا والله أعلم أنهم يعرضون عنهم وينكرون عليهم. ومعنى قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يشاهدون أهله، ولا يجالسونهم في حال ذلك منهم، وإذا جازوا بهم أعرضوا عنهم، وإن أمكنهم، أنكروا عليهم بالوعظ لهم والتخويف، والله أعلم.