الجزء 37
الجزء ٣٧ · صفحة ٥٩حكامهم، وليس لهم حربه إن امتنع عنهم إذا خاف منهم زيادة الظلم عليه منهم فوق ما عليه إذا كان قد تظاهر منهم ذلك؛ لأن ذلك مما يحتمل أن يكون دعوى عليهم، أو كان ذلك بحق جائز لهم، وبين الامتناع بفعل المناكر وبين الامتناع عن تسليم الحقوق فرق.
وكذلك الامتناع بالحرب لأحد من المسلمين بغيا أو حربا للمسلمين فرق، وسيأتي بيان ذلك في أبوابه. وكلما جاز لأولي الأمر، فهو للمسلمين جائز وواسع لهم، وإنما يكون لهم العذر في أمور لا يقدرون عليها، وإن كلفوا نفوسهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضع هو غير لازم عليه، فهو وسيلة عظيمة له، ولو كان ذلك يكون سبب هلاكه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أفضل القربات إلى الله، ومن الوسائل كلمة حق يقولها المرء بين يدي سلطان جائر يقتل عليها»(1). ولا يحل مع أصحابنا تحريم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حال من الأحوال في حال فرضهما ولا في حال سقوط فرضهما، وهما وسيلة بالإجماع في موضع غير فرضهما. وأما عند بعض قومنا: إن التقية معهم فرض في موضع جوازها لهم لقوله تعالى: /35 م/ ﴿إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:28]، وليس في ذلك دلالة على وجوب التقية في أمر الدين، وإنما في ذلك دلالة على جوازها للعذر رحمة ورأفة ولطفا من الله بعباده، وإن كانت قد تجب في مواضع إذا كان لسلامة الدين ببذل شيء أو ما أشبه ذلك من أمور الدنيا مما لا يلحق المرء فيه ضرر عليه من قبل دنياه، ويلحقه الضرر في دينه أو في الدين كله، أو لا
(1) أخرجه بلفظ قريب كل من: الربيع، كتاب الجهاد، رقم: 448؛ والنسائي، كتاب البيعة، رقم: 4209؛ وابن ماجه، كتاب الفتن، رقم: 4012.