قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 04

الجزء ٤ · صفحة ٢٣١

بعضًا، وقهر؛ ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص:4]؛ يعني: قهر أهلها واستولى عليهم.

فإن قال قائل: أتزعمون أنّه لم يزل عليًّا؟ قيل له: نعم؛ لأنّه لمّا كان تعالى لم يزل قاهرًا مقتدرًا على الأشياء كلّها -كما قلنا- وجب أن يقال: عليًّا ومتعاليًا.

وقد يوصف بأنّه متعالٍ على جهة أنّه منزّه جليل؛ نحو قوله - عز وجل -: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:3]، ونحو قول المسلمين: تعالى الله عن وصف الجاهلين؛ لأنّ معنى ذلك أنّ الله تعالى يجلّ عن ذلك، وأنّه منزّه عنه.

فإن قال: أتزعمون أنّه رفيع، وأنّه شريف كما زعمتم أنّه عليّ؟ قيل له: إنّ أصل الارتفاع في اللغة، والشرف هو ما يعقل من ارتفاع مكان الشيء وإشرافه؛ فلمّا لم يجز على الله أن يوصف بارتفاع المكان، ولا بالإشراف؛ لم يجز أن يقال: إنّه شريف رفيع.

فإن قال: أفليس يقال: فلان رفيع؛ /210/ وإنّما يعنون به سؤدده وعظم قدره، وليس يعنون بذلك ارتفاع مكانه؟ قيل له: بلى؛ ولكنّ أصل ذلك هو من الارتفاع والشرف المعقولين اللذين وصفناهما؛ فوصفوا بذلك السيّد من هذا المعنى توسّعًا، وأرادوا به أنّه أرفع من غيره وأشرف؛ فلمّا كان هذا المعنى لا يجوز على الله لم يجب أن يوصف به، ولو وجدنا في صفاته شيئًا من هذا الحمل على المجاز دون الحقيقة.

فإن قال: أفليس قد قال: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:15]؟ قيل له: بلى، وقوله: "رفيع" إنّما هو للدرجات؛ والدرجات هي غير الله تعالى؛ فدرجات الله رفيعة، ولا يوصف الله بأنّه رفيع، ولو وجدنا ذلك في صفاته لما كان معنى ذلك إلا المجاز دون الحقيقة، والله أعلم.

١٬٥٦٦ / ٣٦٬٧٥٥