الجزء 38
الجزء ٣٨ · صفحة ٦٩مسألة: الذي عرفت أن الحاكم لا يحكم بشهادته إن شهد بحق، لم يحكم على الخصم بشهادته، وقد وجدنا أن عمر بن الخطاب ? تحاكم معه خصمان فادعى كل واحد منهما شهادته فقال لهما: "إن شئتما حكمت ولم أشهد، وإن شئتما شهدت ولم أحكم"، فإذا كان الحاكم شاهدا وطلب منه الشهادة ولي الحكم غيره، وشهد هو بما عنده، وإنما تجوز شهادة الحاكم وحده فيما قد حكم به ما دام في الحكم، فإذا عزل عن الحكم وولي غيره، لم تجز شهادته وحده فيما حكم به إلا أن يشهد آخر معه. وقد وجدنا في الأثر أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه، واختلف في ذلك اختلافا كثيرا، وأصح ذلك أن الحاكم يحكم بما علمه من إقرار الخصوم في مجلس حكمه، وما سوى ذلك فهو شاهد كما قال عمر بن الخطاب ?، وقد عرفت أن الحاكم إذا شهد معه شاهدان غير عدلين بشهادة، وهو يعلم صدقهما في تلك الشهادة أنه ليس له أن يحكم بشهادتهما ولو علم صدق ما شهدا به. وعلى قول من يقول أنه يحكم بعلمه، فلم أعلم أنه لم يخص أحدا دون أحد، وكل من جاز له الحكم بين الناس فهو حاكم ويلحقه الاختلاف الذي ذكرته، والله أعلم، إلا أنه قد قيل: إن للحاكم أن يفتح للخصم حجته إذا أبصر وجه الحق، وكان الخصم عام عن حجته. وبعض لم يجز ذلك. وبعض يقول: /67/ عليه أن يفتح للخصم حجته. وقيل: لا له ذلك ولا عليه، وعرفت أن القاضي ليس له أن يولي القضاء غيره إلا برأي الذي استقضاه إذا جعل له ذلك. وقال بعض المسلمين: إنما ليس له أن يجعل قاضيا يعقد له القضاء، وأما هو فيجوز له أن يأمر من يحكم بين اثنين بعينهما إذا تحاكما إليه، وهذا القول أحب إلي، والله أعلم. والذي يجيز للقاضي أن يحكم بعلمه يجيز ذلك لغيره ممن يجوز له الحكم، والله أعلم.