الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ١٥٩من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا»(1)؛ فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه إلى ماذا يقل، واحترز عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء، فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين؛ إذ الشياطين بواسطتهم تتذرع إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق. ولهذا لَمَّا سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شر الخلق أبى وقال: «اللهم اغفر»، حتى كُرِّر عليه، ثم قال: «هم علماء السوء»(2).
فقد عرفت العلم المحمود والمذموم، ومثار الالتباس، وإليك الخيرة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلف، أو تتدلى بحبل الغرور، وتنسبه بالخلف، فكل ما ارتضاه السلف من العلوم فقد اندرس، وما أكب عليه الناس فأكثره مبتدع محدث، وقد صح قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء»، فقيل: من الغرباء؟ فقال: «الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي، والذين يحيون ما أماتوه من سنتي»(3).
وفي خبر آخر: «المتمسكون بما أنتم عليه اليوم»(4)، وفي خبر آخر: «الغرباء ناس قليل صالحون بين ناس كثير، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم»(5). وقد صارت
(1) أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ: «نِعْمَ الْهَدِيَّةُ، وَنِعْمَ الْعَطِيَّةُ الْكَلِمَةُ مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ، يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ، ثُمَّ يَنْطَوِي عَلَيْهَا حَتَّى يُهْدِيَهَا لِأَخِيهِ»، باب ذكر الله، رقم: 1386. وأخرجه الديلمي في الفردوس بلفظ قريب منه، رقم: 6773.
(2) أخرجه بلفظ: «اللَّهُمَّ غَفْرًا، سَلْ عَنِ الْخَيْرِ وَلَا تَسْأَلْ عَنِ الشَّرِّ، شِرَارُ النَّاسِ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ فِي النَّاسِ» كل من: البزار في مسنده، رقم: 2649؛ والطبراني في مسند الشاميين، رقم: 447.
(3) سيأتي عزوه بلفظ: «بدأ العلم غريبا وسيعود غريبا … ».
(4) أورده الغزالي في الإحياء، 1/ 38.
(5) أورده الغزالي في الإحياء، 1/ 38.