الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٤اختياره لإرسالهم إلى العباد؛ وذلك إرادته ولإرسالهم إلى العباد، فجعل إرادته لإرسالهم إلى العباد اختيارًا في سعة اللغة.
فإن قال: فاصطفاء الله الأنبياء هو اختياره لهم؟ قيل له: اصطفاؤه إياهم هو اختصاصه إياهم بها؛ فليس معنى الاصطفاء معنى الاختيار.
مسألة: ويقال: إنّ الإنسان يكون خليلا لله؛ ومعنى الخلّة الاختصاص؛ فمن أخصّه الله برسالته ووحيه، وأفضى إليه من ذلك ما لم يفض به إلى غيره من الناس؛ كان لله خليلا؛ لأنّ الله تعالى قد اختصّه بما وصفنا؛ ولهذا كان إبراهيم خليلا لله؛ إذ كان قد اختصّه بما لم يؤته غيره من الناس؛ ولهذا كان الرجلان إذا اختصّ بعضهما ببعض، وأفضى كلّ واحد منهما إلى صاحبه بما لم يفض به إلى غيره سمّي خليلا له في اللغة.
ولا يجوز أن يقال: إنّ الله خليل لأحد من أنبيائه ورسله وخلقه على الحقيقة؛ لأنّ الخليل في اللغة إنّما هو خاصّته الذي يفضي(1) بأسراره /234/ وأمره؛ لأنّهم لم يخصّوا الله بشيء فيكون بذلك خليلا لهم كما كانوا أخلاءه لما اختصّهم به من الوحي والرسالة، وجميع الأنبياء أخلاء الله لهذا المعنى.
ويقال للإنسان: خليل على معنى حبيب في سعة اللغة، وهذا هو مجاز لا حقيقة؛ لأنّه لو كان الحبيب خليلا على الحقيقة؛ لكان المؤمنون جميعًا أخلاء الله، كما أنّهم أحبّاؤه، وهذا صحيح لا سائغ في حقيقة اللغة.
ولا يجوز أن يتّخذ الله صديقًا من خلقه فيكون صديقًا للمؤمنين، والمؤمنون له أصدقاء، والفرق بين الصديق والخليل: إنّ الصديق في اللغة أن يصدق صاحبه
(1) هذا في ق. وفي الأصل: يقضي.