قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 01

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

والعلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء الله تعالى الذي طلبه الأنبياء وفهموه دون ما يسبق إلى فهم العوام.

وقال الحسن: عقوبة العلماء موت القلب، فأنشد:

عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى … ومن يشتري دنياه بالدين أعجب

وإن العالم الذي هو من أبناء الدنيا أحسن حالا وأشد عذابا من الجاهل، وإن الفائزين المقربين هم علماء الآخرة ولهم علامات:

فمنها: أن لا يطلب الدنيا بعلمه؛ فإن أقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدوراتها وانصرامها، وعظم الآخرة وصفائها ودوام نعيمها، وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادان، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وأنهما ككفتي الميزان، مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وأنهما كالمشرق والمغرب، مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما كقدحين واحدهما مملوء فبقدر ما تصبه في الآخر حتى /84 م/ يمتلاء يفرغ الآخر؛ فإن من لا يعلم حقارة الدنيا وكدوراتها، وامتزاج لذتها بألمها، ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل؛ فكيف يكون من العلماء من لا عقل له، ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها؟ فهو كافر مسلوب الإيمان، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له، ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة، وأن الجمع بينهما طمع في غير مطمع؟ فهو جاهل شريعة الأنبياء كلهم، بل هو كافر بالقرآن كله من أوله إلى آخره. فكيف يعد من زمرة العلماء؟

ومن علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا، فهو أسير الشيطان، قد أهلكته شهوته، وغلبت عليه شقوته. ولا تظنن أن ترك المال يكفي للحوق بعلماء الآخرة، فإن الجاه أضر من المال.