الجزء 39
الجزء ٣٩ · صفحة ١١٨وكل من تاب من ذلك؛ قبلت توبته، والتوبة عندنا أن يترك ذلك مما وصفت لك، ويعترف بترك ذلك، ويظهر ذلك لجيرانه، وأهل سوقه، فتقبل توبته إذا ترك ذلك ستة أشهر فصاعدا، أو عرف بترك ذلك؛ قبلت توبته، وجازت شهادته.
وكذلك القاتل، والسارق، إذا تاب وأدى ما سرق إلى أصحابه، وأقيد لهم بالقتل، وأمكنهم من نفسه فعفوا عنه، ومضى له ستة أشهر، وعرفت التوبة منه على ما وصفت لك؛ جازت شهادته. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر»(1). ألا ترى أن المشرك يسلم قبل موته ما لم يغرغر، فيقبل الله توبته؟ والمسلم التائب أولى أن تقبل منه التوبة، ولا يحبط الله العمل الصالح إلا الشرك، ألا ترى أن يقول في كتابه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر:65] وقال: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّآتِكُمْ﴾ [النساء:31].
ومن غيره: الذي أجمع عليه المسلمون أن الكبائر كلها تحبط الأعمال؛ لأنها توجب الكفر، فإذا وجب الكفر زال الإيمان. وكذلك الإصرار على الصغائر لاحق بالكبائر، موجب للكفر، وقد قال الله تبارك وتعالى فيما يعظ به المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحُجُرات:2]، فلم يكن هاهنا /118/ يشرك بالله، ولا جحود منهم لشيء مما أنزل الله، وإنما هي معصية منهم، فأحبط الله بذلك أعمالهم من حيث لا يشعرون.
(1) () أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات، رقم: 3537؛ وابن ماجه، كتاب الزهد، رقم: 4253؛ وأحمد، رقم: 6160.