الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٤موجود قبل أن يوجد الموجودات؛ لا زمان ولا وقت مضى عليه، كذلك غير موجود غيره؛ لأنّ الوقت هو خلق من خلقه، والتفكّر في هذا يحيّر العقل؛ لأنّه كان ولا زمان ولا مدّة مضت عليه. والإقرار بهذا في صفة الله تعالى هو الإدراك؛ أي: هو المعرفة به وهو حقيقة المعرفة؛ ليس حقيقة المعرفة به أن يوصف أنّ ذاته تدرك بالبصر، وأن يعرف أنّ الله كان موجودًا قبل أن يخلق الخلائق؛ فما يقال لذلك الوقت أو الزمان الذي مضى عليه؛ فليس الإدراك في حقّه تعالى معرفة ذلك؛ لأنّ ذلك من الباطل في صفة الله تعالى؛ فلا يوصف بوقت كان فيه، ولا مضى عليه، ولا يمضي عليه الزمان أيضًا بعدما خلقه.
فصفات الله تعالى لا تختلف(1)، ولا يصحّ أن يكون الباطل معرفةً وعلمًا وحقًّا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: /262/ «كان الله في عمًى ولم يزل في عمًى»(2)؛ أي: عجزت العقول عن إدراك معرفة ذلك، وصحّ أنّ الحقّ في معرفته وإدراك معرفته أن ينزّه عن ذلك؛ أي: أنّه شيء لا يرى، وأنّه لم يمض عليه زمان، وأنّه ليس كمثله؛ إلى غير ذلك من المعاني؛ فلم تعجز العقول عن الإدراك بهذه المعرفة؛ أي: لا يعرف ذات الله إلا الله.
ولا يقال مع ذلك: إنّ العقول عجزت عن معرفته؛ لأنّ العجز عن إدراك ذلك هو حقيقة معرفته؛ فقد عرفت العقول بارئها بحقيقة المعرفة التي لا شكّ فيها أنّه هو كذلك، كما عرفته ووصفته؛ لأنّ الله هو الذي علّمهم بتوحيده،
(1) هذا في ق. وفي الأصل: يختلف.
(2) أخرجه بلفظ قريب دون قوله: «ولم يزل في عمى» كل من: الترمذي، أبواب تفسير القرآن، 3109؛ وابن ماجه، افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، رقم: 182؛ وأحمد، رقم: 16233.