الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٠٠وقالوا في كلّ سؤال ساقط: إنّما يسقط من خمسة أشياء من تناقض أو اضطراب، أو إثبات أو جمع بين سؤالين، أو دخول السؤال تحت المحال.
فالتناقض من السؤال: ما ناقض أوّلُه آخرَه، وآخرُه أوّلَه، مثل: أن يثبت في أوّل السؤال ما ينفيه في آخره، أو ينفي في أوّله شيئًا ثمّ يوجبه في آخره؛ كمثل سؤال السائل: إذا كانت الأشياء محدثة فما الدليل على قدمها؟ أو يقول: إذا كان الفرض غير باقٍ فما الدليل على بقائه؟ أو يقول: ما العلة في بقائه؟
والاضطراب أن يقول: ما العلّة التي لها /268/ صار المحدث جسمًا. أو يقول: صار الفرض حركة؛ فيدخل الأعمّ في الأخصّ.
والإثبات: أن يسأل السائل عن كون الحركة، والمسؤول ممّن لا يثبت رؤية الحركة، أو يسأل عن كلّ وجه لا يقرّ به المسؤول؛ فيطلب السائل فيه زيادة معنى، والسائل يطلب الفرع، والمسؤول لا يقرّ بالأصل.
والجمع بين سؤالين: أن يسأل عن الحركة والسكون دفعة واحدة؛ فيطلب فيهما جوابًا واحدًا ودليلا واحدًا؛ في وجه افترقت الحركة مع السكون، أو يقول: ما العلّة التي لها صار الجسم والعرض جسمًا وعرضًا؟ فيطلب لها علّة واحدة؛ وهما في الحقيقة علّتان.
ودخول السؤال تحت المحال: فهو أن يقول السائل: هل يقدر الله أن يجعل الإنسان حيًّا ميتًا، وناطقًا صامتًا؛ في حال واحدة؟ فزعموا أنّ السؤال المساقط كلّه من هذه الوجوه الخمسة.
فصل: والسؤال فيما لا يسع الناس جهله، ولا يسعهم تركه فرض لازم؛ لقوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43]، وقال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: «طلب العلم فريضة على كلّ محتلم»(1). وبلغنا أنّ خلف بن زياد البحراني لمّا نشأ فوجد الناس مختلفين، قال: إنّ لله دينًا تعبّد به عباده، لا يعذرهم بجهله، ولا الشكّ فيه، فخرج يطلب ما كلّف، فكلّما لقي فقيهًا أو منسوبًا إليه العلم سأله عن اعتقاده، فإذا أخبره عن مذهبه قال: الحقّ غير هذا، حتّى لقي أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فكلّما سأله عن شيء أخبره، وعرف أنّ الحقّ ما قال أبو عبيدة؛ قال: هذا دين الله الذي تعبّد /269/ به عباده.
والسؤال نصف العلم، وقيل: العلم كلّه؛ والمعنى في ذلك: أنّ السؤال سبب العلم ومفتاحه، وليس السؤال نفسه علمًا؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43]، فقال: إنّهم لا يعلمون مع أنّهم سائلون.
فصل: ولا يجوز السؤال عن الله تعالى بالأسئلة المذكورة؛ إنّما تجري على المحدث المخلوق.
فمن قال: أين الله؟ فقد حدّه؛ لأنّ الأين هو المكان.
ومن قال: إلى متى؟ فقد ناهاه؛ أي: جعل له نهاية.
ومن قال: كيف الله؟ فقد شبّهه.
ومن قال: متى؟ فقد وقّته؛ لأنّ "متى" سؤال عن زمان الانقضاء.
ومن قال: كم؟ فقد عدّه؛ تعالى الله على الانعداد والانقسام.
(1) أخرجه بلفظ قريب كل من: ابن ماجه، افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، رقم: 224؛ وأبي يعلى في مسنده، رقم: 2837؛ والطبراني في الكبير، رقم: 10439.