الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٤٠فصل: في العلم: من بعض كتب أهل المغرب: و"العليم" صفة لله - عز وجل - في ذاته على نفي الجهل؛ والدليل على علمه إتقانه الأشياءَ؛ ولمّا رأينا الأشياء قد تأتّت على مراده من الأرض، والسموات، والأشجار، والنبات، والجماد، والحيوانات على نظام عجيب، وتركيب عظيم، وتدبير قويم؛ علمنا أنّ صانعها عالم بها قبل تكوينها؛ إذ لا تتأتّى صنعة ممّن لم يتقدّم له علم بكيفيّتها.
فإن قال: ما معناك: الله عالم؟ قيل له: ليس بجاهل.
وزعم بعض المتكلّفين أيضًا أنّ الأشياء لا تفسّر بأضدادها؛ ومعنى "عالم" عندهم: هو المستبين لما علم، المدرك للأشياء على ما هي به. وقول آخر: "العالم" الذي لا يخفى عليه ما علم.
مسألة: فإن قال: ما الدليل على أنّه لم يزل عالمًا؟ قيل له: لا يعدو أن يكون إنّما كان عالمًا بنفسه، أو بمعنى غيره، فإن كان بمعنى غيره؛ فلا يخلو ذلك المعنى من أن يكون قديمًا معه أو محدثًا أحدثه؛ فإن كان قديمًا؛ فهو أولى بالألوهيّة لكونه محتاجًا إليه، تعالى الله عن ذلك.
وإن كان محدثًا أحدثه؛ فلا يخلو من أن يكون أحدثه لنفسه وهو يعلمه أو لا يعلمه، فإن كان لا يعلمه؛ فالجاهل لا يحدث شيئًا، وإن كان يعلمه؛ فلا بدّ لذلك العلم من علم يعلمه به، ولا بدّ للعلم من علم فيتّصل ذلك إلى ما لا غاية له، فلمّا فسد هذا صحّ أنّه لم يزل عالمًا بنفسه وبذاته؛ لا بعلم هو معنى غيره، وهكذا القول في جميع صفاته - عز وجل - /309/ من القدم، والحياة، والقدرة، والإرادة، وسائرها، فلا معنى لتكرارها في كلّ مسألة.
مسألة: فإن قال: أخبرني عن العلم، ما هو؟ قيل له: قولك يحتمل معنيين: إن كنت تريد علمه الذي هو صفة من صفات ذاته؛ فمعناه الدرك، والإحاطة،