الجزء 01
الجزء ١ · صفحة ١٦٨ولقد كان الحسن البصري أكثر كلامه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفوس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس، وقيل له: يا أبا سعيد، إنك تتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك؛ فمن أين أخذته؟ فقال: من حذيفة بن اليماني، وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة؛ فمن أين أخذته؟ فقال: خصني به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان الناس يسألونه عن الخير فكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني، وقال مرة: /87 م/ فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير. وفي لفظ آخر: كان الناس يقولون: يا رسول الله، ما لِمن عمل كذا وكذا؟ فيسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله، ما يفسد كذا وكذا؟ فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم.
وعلى الجملة لا يميل أكثر الخلق إلا إلى الأسهل والأوفق لطباعهم، فإن الحق مر والوقوف عليه صعب، وإدراكه شديد، وطريقه مستوعر، لاسيما معرفة صفات القلب وتطهيرها عن الأخلاق المذمومة، فإن ذلك نزع للروح على الدوام، وصاحبه ينزل منزلة شارب الدواء يصبر على مرارته، رجاء الشفاء، وينزل منزلة من يفعل العمر صومه، فهو يقاسي الشدائد ليكون فطره عند الموت.
وقال ابن عباس: إن الضلالة لها حلاوة في قلوب أهلها قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام:70]، وقال: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:8].
وحكي عن إبليس -لعنه الله- أنه بثَّ جنوده في وقت الصحابة فرجعوا إليه محسورين، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: ما رأينا مثل هؤلاء، ما نصيب منهم شيئا، قد أتعبونا. فيقول: إنكم لا تقدرون عليهم، قد صحبوا نبيهم، وشهدوا تنزيل