الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٥٣وأمّا إذا سمع ذلك ولم يفهم معناه، ولم يعتقد في الله؛ فيجوز له الشكّ حتّى يسأل، والمراد به الشكّ في معرفة معناه؛ لا في الله تعالى أنّه لا يعرف معناه، وكيف يكلّفه الله تعالى فهم ما لم يفهمه؛ وهو تكليف عقل ما لم يعقل؟ ولله درّ الشيخ العالم الكبير أبي سعيد ? حيث تكلّم في هذا الموضع، فظهر بذلك نور علمه على علم الغزالي؛ أنّه هو أكثر علمًا منه، وأقوى فهماً، حيث ألزم الغزالي كلّ امرئ حرّ، بالغ، عاقل عشر صفات لله تعالى، وأنّه لا يمكن أن يأتي إلى امرئ حرّ بالغ حالة هو معذور عن معرفتها.
وقال شمس سماء العلم: إنّه لا يلزم المرء معرفة شيء من صفات الله تعالى ممّا لم يخطر على باله، فلم يكن علم الغزالي مع علم الشيخ إلا كتفلة(1) في بحر؛ ولا سيما حيث كان هذا القول من الغزالي أيضًا: إنّ الله عالم بعلم، وقادر بقدرة، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ فافهم الفرق بين الشكّ ممّن عقل؛ أي: فهم المعنى تمامًا، وممّن لم يفهم معنى ذلك فهو شاكّ في المعنى ما هو، والله أعلم.
مسألة: ومن كتاب الإقليد: فإن قال قائل: إنّكم زعمتم أنّ الذات واحدة، وأنّ صفاتها هي هو، ما تقولون فيمن خلقه الله حيًّا، ثمّ مات، أو مات ثمّ حيي؟ أبعلم واحد علمه أم بعلوم كثيرة؟ فإن قلتم: بعلم واحد؛ فقد جعلتم الحيّ ميتًا، والميت حيًّا، وإن قلتم: بعلوم كثيرة؛ فقد أثبتم قدماء كثيرة، وإن قلتم: علمه بلا علم؛ وقعتم في المحال؟
فالجواب: علم الله للحيّ منافٍ حين حياته، ثمّ علمه في حال موته؛ وقع التفاوت بين الحالين لا بين العلمين، كما أنّ الذات التي علمته ميتًا هي الذات
(1) والتُّفْل والتُّفَال: البُصاق والزَّبَد ونحوهما. لسان العرب: مادة (تفل).