الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٦١وبعد؛ فالقويّ إنّما يستعمل في الأجسام دون الجوارح المحتملة للأعراض؛ فيقال: فلان ذو قوّة، وأنّه لذو قوّة شديدة؛ إذا كانت جوارحه مكبّدة متقنة صلبة الأعصاب غير رخوة؛ على أنّ ظاهر الآية يقتضي أن يكونوا يعلمون أنّه أشدّ منهم قوّة من حيث علموا أنّه خلقهم، فالواجب أن ينظر، فإن كان خلقه إياهم يقتضي أنّ له قوّة، ويدلّ عليه قضى به، وإن لم يدلّ عليه، ودلّت على ذلك ممّا يمكن صرف الآية إليه على أنّه مجاز؛ وجب رده إليه، ومعنى ذلك أنّه أقوى منهم وأقدر؛ وهو جارٍ مجرى قول القائل: فلان أشدّ بأسًا منّا وقوّة؛ فلا يخطر بباله أنّ هناك معاني بها صار أقوى؛ وإنّما يقصد به إلى أنّه أقدر منّا على الأمور وأقوى، والأصل في ذلك أنّه إنّما تستعمل هذه اللفظة إخبارًا عن اثنين يفضل أحدهما الآخر فيما يستحقّه من الأوصاف، كما يقال: فلان أكثر علمًا منك، وسوى ذلك، وقولك: فلان أعلم منك.
فلمّا كان قولهم: فلان أعلم منك لا يقتضي إثبات علم، كذلك قولهم: فلان أكثر علمًا منك لا يقتضيه ولا يوجبه؛ إذ يعرف بأحد اللفظين ما يعرف بالآخر.
فصل: وممّا تعلّقوا به في حدوث العلم، وأنّه لا يعلم الشيء قبل /327/ كونه تعلّق من ذهب إلى ذلك بآيات؛ منها قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:142]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:143]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ:21]، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ [محمد:31].