الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٢قالوا: فلو كان عالمًا بذلك؛ لم يجز أن يقول: فعلت كذا لأعلم كذا، وهو به عالم، ومن ذلك قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:66] قالوا: فكما أنّ التخفيف حدث الآن؛ كذلك العلم، وكذلك قوله: ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:14]، وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:44].
قالوا: ولا يجوز أن يقول مثل ذلك وهو عالم به؟
الجواب: إنّ ما ذهبوا إليه لا يصحّ؛ لأنّ العلم بحالهم وما كلّفهم لو لم يتقدّم لقبح التكليف أصلا؛ لأنّه إنّما يحسن من المكلّف أن يأمر بما يعلم جنسه، وأنّ المكلف يتمكّن من فعله على الوجه الذي كلّف؛ فكيف يصحّ مع هذا أن يكون علمه بحالهم حادثًا بعد التكليف عند فعلهم ما كلّفوا، على أنّه ليس في ظواهر هذه الآيات ما ينبئ عن كونه غير عالم بما سيكون منهم؛ وإنّما فيه أنّهم لا يدخلون الجنّة حتّى يعلم المجاهدين منهم، وحتّى يعلم من يؤمن؛ فالعالم بالشيء إذا كان عالمًا /328/ به إذا علمه على ما هو به، والله تعالى إنّما يعلم المجاهد مجاهدًا إذا جاهد، ويعلمه مؤمنًا إذا آمن، وليس في ذلك نفي كونه عالمًا لمن سيؤمن وسيجاهد، وهذا مع موضع الخلاف.
ومعنى هذه الآيات هو أنّهم لفصاحتهم من عادتهم أن يجتزوا عمّا يريدون الإخبار عنه بأن يعلقوا الخبر والوصف بما يوجد عند وجوده؛ وذلك يختلف؛ فمن ذلك تسميتهم الشيء بما يفعل لأجله؛ نحو تسميتهم النبوّة رحمة في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:32] فسمّى النبوة رحمة لمّا كان إنباؤه إياها، وذلك لأجل رحمته على العباد؛ ومن ذلك الإخبار عن الشيء بما لا يحصل إلا معه وبه، كما أخبر عن الوطء بالملامسة تارة، وباللمس أخرى،