الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٣٦٤الممتنع؛ لأنّه إذا اتّبع هذا، وانقلب هذا علمه الله كائنًا، وإن كان قبل ذلك عالمًا بما يكون منهما إلا أنّه تعالى لا يعلمهم، كذلك معنى كون هذا متّبعًا، وكون هذا منقلبًا؛ إلا بعد وجود الاتباع والانقلاب منهما، ويدلّ على ذلك أنّ ظاهر اللفظ يقتضي أنّه جعل القبلة التي كان عليها ليعلم المتّبع من المنقلب في جعل القبلة لا توجب كونه عالمًا بهما؛ لأنّ ذلك ليس بسبب للعلم، ولا بعلّة موجبة له؛ وذلك لأنّ /330/ جعله للقبلة التي كان عليها لا تقتضي أن يصير عالمًا به بعد أن لم يكن عالمًا، وإذا لم يقتض ذلك وهو ما يوجب قضية اللفظ، فإذا كان ظاهره يقتضي ما ذكرناه؛ وذلك لا يوجب حصول علمه سقط التعلّق به في حدوث علمه؛ إذ ما علّقه لا يقتضي حصوله وحدوثه؛ فصحّ أنّه إنّما علّقه به إخبارًا عن حدوث الفعل المعلّق به العلم؛ إذ لا ثالث سواهما يحتمله اللفظ.
وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ [سبأ:21]، قضية اللفظ ما ذكرناه، وكون سلطانه عليهم لا يقتضي علمه بالمؤمن والكافر؛ إذ ليس هو سببًا له ولا لعلّة موجبة؛ وإنّما يقتضي ذلك من حيث ذكرناه؛ وهو أن يدعو به إيّاهم بتميز المؤمن من الكافر، والمخلص من المرتاب؛ فيعلم الله المؤمن حاصلا منه الإيمان، والكافر حاصلا منه الكفر، وإن كان عالمًا قبل ذلك بما يكون منهما إلا أنّه لا يجوز أن يعلمه مؤمنًا، وهو لم يؤمن بعد، كما لا يجوز أن يعلمه أسود إلا بعد كونه أسود، هذا التفسير مستمرّ على ما أصّلناه وبيّنّاه.
وقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:66]، وقوله: إنّ حدوث العلم كان مع حدوث التخفيف، فكما أنّ التخفيف حدث الآن فكذلك القول الأوّل؛ فظاهر اللفظ لا يقتضي ما ادّعوه؛ لأنّ "الواو" قد