قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 01

الجزء ١ · صفحة ١٧١

والتغلغل إلى بحار العلوم. وإن وجدت(1) قلبك عند مواجهتك إياه بها مسوفا، وبالعمل بمقتضاها مماطلا، فاعلم أن نفسك المائلة إلى طلب العلم هي النفس الأمارة بالسوء، وقد انتهضت مطيعة للشيطان الرجيم ليدليك بحبل الغرور، ويستدرجك بمكيدته إلى غمرة الهلاك، وقصده أن يروّج عليك الشر في معرض الخير، حتى يلحقك بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وعند ذلك يتلو عليك الشيطان فضل العلم ودرجة العلماء، وما ورد فيه من الأخبار والآثار، ويلهيك عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا»(2)، وعن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالِم لم ينفعه الله بعلمه»(3)، وعن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: كنا نأمر /89 م/ بالخير ولا نأتيه، وننهى عن الشر ونأتيه»(4)، فإياك يا مسكين أن تذعن لتزويره، أو تدلي بحبل غروره، فويل للجاهل حيث لم يتعلم مرة واحدة، وويل للعالم حيث لم يعمل بما علمه ألف مرة.

واعلم أن الناس في طلب العلم على ثلاثة أحوال: رجل طلب العلم ليتخذه زاده إلى المعاد، ولم يقصد به إلا وجه الله تعالى والدار الآخرة؛ فهذا من الفائزين.

(1) في النسخ: واجهت.

(2) أخرجه الفتني في تذكرة الموضوعات، 1/ 24؛ وأخرجه الدينوري بلفظ: «ورعا» بدل «هدى» في المجالسة وجواهر العلم، رقم: 1287.

(3) تقدم عزوه بلفظ: "أشد الناس عذابا … ".

(4) أخرجه بمعناه كل من: أحمد، رقم: 12211؛ وعبد الله بن المبارك في مسنده، رقم: 27؛ ووكيع في الزهد، باب الترتيل في الخطبة، رقم: 297.