قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة جميل بن خميس بن لافي السعدي أبو محمد

الجزء 01

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، وينال به العز والمال، وهو عالم بذلك، مستشعر في قلبه ركاكة حاله، وخسة مقصده، فهذا من المخاطرين، فإن عاجله أجله قبل التوبة خيف عليه سوء الخاتمة، وبقي أمره في خطر المشيئة. وإن وفّق للتوبة قبل حلول الأجل، وأضاف إلى العلم العمل، وتدارك ما فرط فيه من الخلل، التحق بالفائزين، وإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ورجل ثالث استحوذ عليه الشيطان فاتخذ علمه ذريعة إلى التكاثر بالمال والتفاخر بالجاه، والتعزز بكثرة الأتباع، يدخل بعلمه كل مدخل؛ رجاء أن يقضي من الدنيا وطره، وهو مع ذلك يضمر في نفسه أنه عند الله بمكان؛ لاتسامه بسمة العلماء، وترسمه برسومهم في الزي والمنطق، مع تكالبه على الدنيا ظاهرا وباطنا؛ فبهذا من الهالكين ومن الحمقى المغرورين؛ إذ الرجاء منقطع 89 س عن توبته، لظنه أنه من المحسنين، وهو ممن قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال». فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: «العلماء السوء»(1)؛ وهذا لأن الدجال غايته الإضلال، ومثل هذا العالم انصرف عن الدنيا بلسانه ومقاله فهو داع لهم إليها بأعماله وأحواله؛ ولسان الحال أفصح من لسان المقال، وطباع الناس إلى المساعدة في الأعمال أميل منها إلى المتابعة في الأقوال؛ فما أفسد هذا المغرور بأعماله أكثر مما أصلحه بأقواله. ولا يستجرئ الجاهل على الرغبة في الدنيا إلا باستجراء العلماء؛ فقد صار علمه سببا لجرأة عباد الله على معاصيه، ونفسه الجاهلة مع ذلك تمنيه وترجّيه وتدعوه إلى أن يَمنّ على الله تعالى

(1) أخرجه بلفظ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِنَ الدَّجَّالِ: أَئِمَّةً مُضِلِّينَ» ابن أبي عاصم في السنة، رقم: 100.