الجزء 43
الجزء ٤٣ · صفحة ١٣٩دليله، ومع تعذر العمل به؛ فلا أعلم رخصة يسع المتعلّق بها في العمل بغيره مع تعذّره، إلاّ ما يوجد في المأثور مِن رأي بعض الأشياخ المتأخّرين في كتابة الكتاب إذا كانوا أهلا لذلك، وكان دخولهم في الكتابة على وجهها، وقيامهم فيها بعدلها نظرًا واجتهادًا ممن رأى ذلك مِن المسلمين؛ لَمَّا قلّ العدول في زمانهم، وخافوا ذهاب حقوق النّاس في معاملتهم؛ فحينئذ توسّعوا بالكتابة مِن الكتاب فيها على ما تقدّم ذكره من أمرها، متمسّكين برأي مَن رآها، وكأنّها خارجة في رأيه على غير معنى الشّهادة؛ إذ لا يصحّ عند الجميع قبول شهادة الواحد في الحقوق، ولا ينفذ /137/ الحكم بها، ولو كان الشّاهد الواحد في غاية العدالة والثّقة، وإنّما خروجها معه فيما أرجو على شبه أحكام الحاكم التي تقوم بالواحد؛ إذ هي شعبة(1) منها على قياد رأيه، إن ثبت فصح؛ ولينظر المبتلى بشيء من ذلك لنفسه، وليعمل بالعدل فيه، استدلّ عليه من ذات نفسه، إن منّ الله عليه بفضله؛ فأبصره، أو كان ذلك بدلالة مبصر له، وعلى كلّ حال؛ فليس المراد منه إلاّ موافقة العدل، لا عذر له في مخالفته على العلم والجهل، وما التّوفيق إلاّ بالله، ومَن علم الله منه الخيرَ؛ وفّقه له؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:69]؛ فهذه شرائع الدّين، وأحكام المسلمين، وهي لا تتغيّر بتغيّر الأزمنة، وإنّما هي على نمط واحد، وسبيلها في كلّ زمانٍ سبيل الحق لا غير، وهو الصّراط المستقيم؛ بدليل قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
(1) هذا في ث. وفي الأصل: شبعة.