الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٠ذلك كلّه؛ قال: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:106]، وجميع ما حكى الله - عز وجل - في ذمّ المنافقين الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم دليل على أنّ الإيمان فيهما جميعًا؛ بإثبات الله إياه في الأفواه، وذمّهم إذا لم يكتسبوه بالقلوب، قال الله - عز وجل -: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:14]، والاتفاق واقع على هذا؛ وإنّما الكلام في الأعمال.
ودليلنا على الأعمال أنّها من الإيمان اتّفاق الجميع على أنّ الشرع طارئ على اللغة، وأنّ الشرع قد ورد في أشياء نقل /368/ لسان العرب إليها فانتقل، منها: المنافق: كان في اليربوع؛ فانتقل إلى من انسلَّ من الإسلام من حيث لم يدخل فيه. والوضوء: معهود اللسان الموضاة في الجوارح؛ فزاد الشرع المسح. والصلاة: الدعاء؛ فزاد الشرع الركوع والسجود. والهجرة: في الحمير؛ هاجر الحمار؛ إذا خرج من بلاده؛ فانتقل إلى المهاجرين. والغائط: في اللسان المطمئنّ من الأرض؛ فانتقل الأسماء إلى النجو؛ فغلبت الشريعة اللسان؛ ولهذا قال الله - عز وجل -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:143]؛ يعني:"صلاتكم" عند بيت المقدس في رأي أهل التفسير.
قال الله - عز وجل -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:2،3]، وإنّما من حروف الحصر، وكذلك أولئك، وقال - عليه السلام - وهو المبيّن عن الله - عز وجل -: «فأنزل إليهم الإيمان مائة جزء،