الجزء 43
الجزء ٤٣ · صفحة ١٩٥عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنت ومالك لأبيك»، وعمل كثير بظاهر هذا القول، وأجروا عليه أحكامًا كثيرةً، وهذا القول منها، وهو صحيحٌ على قياد ظاهر الرّواية.
وقال بعض: إنّ تأويل الرّواية يؤدّي إلى أنّ حكم مال الولد ليس لأبيه، وأنّ حروف الجرّ يقوم بعضٌ منها مقام بعضٍ، واللاّم هنا قائمٌ مقام "مِن" أي مِن أبيك، ولو لم يكن كذلك لجاز للوالد بيع ولده؛ لأنّه أنزل المال والنّفس بمنزلة واحدة؛ فقال: «أنت ومالك لأبيك»؛ فهذا مما يدلّ على أنّ مال الولد ونفسه ليس للوالد فيه ملك ولا تصريف المالك، وإلاّ فمن أيّ وجهٍ تصحّ التّفرقة، والنّبي - صلى الله عليه وسلم - جعلهما مِن أبيه؛ فيجوز أن يملك هذا، ولا يجوز أن يملك الآخر. واحتجّ أيضًا أصحاب /189/ هذا القول أنّ الوالد إذا عجز عن قيام نفسه، يفرض له في مال ولده، ولو كان ماله مال ولده؛ لم يَحْتَجْ إلى أن يفرض له.
فإن قال: لو لم يكن ولده ولم يفرض له أيضا؛ فنقول: كلّ إنسان له ورثة، وعجز عن قيام نفسه؛ قيل: إنّ على ورثته قيامه؛ كلٌّ على قدر ميراثه الذي يقدر منهم على ذلك، ولا يضرّه القيام به، ولا يضرّ بِمَن يلزمه عوله، إذا عجز عن قيامهم بسببه؛ فعلى هذا الرّأي لا شكّ أنّه يزاحم الدّيّان؛ فلست بمخطئ في جوابك إذا كنت رأيت الحق كذلك عن فتواك؛ فلا يلزمك شيءٌ، والله أعلم.
ومن أرجوزة الصّائغي:
وولد المديون لا يحاصص … غرما أبيه في الذي تحاصصوا
من ماله لأنهم أولى به … منه مقال الشيخ في جوابه
ولا يعذب والد بدَين … ولده لا شك في هذين