الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٦وينبّهك على هذا قول الله - عز وجل -: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:1] إلى آخرها؛ ألا ترى إلى هذا الترتيب العجيب الذي خاطب به أولي الألباب لينفهم لهم من معاني هذه الأسماء ترتيب الخلائق، /373/ والترقي إلى صفات الخالق، فإذًا كان الله - عز وجل - هو المخترع؛ والاختراع، والابتداع من عدم إلى الوجود.
ومن عرف الله - عز وجل - فقد عرف أنّ من دونه محدث مصنوع خارج من العدم إلى الوجود؛ ومعنى الحدوث لم يكن ثمّ كان، ومن كان قبل الحدوث فهو قديم؛ والله تعالى قديم لم يزل، ويقتضي حدوثنا قدمه، وتصرفّه فينا حياته، وتأنينا علمه، وصدودنا قدرته، وتميزنا إرادته، واختلافنا(1) سخطه ورضاه.
فمن عرف الله فقد عرف جميع ما ذكرنا، وتضمنه الله سبحانه، وقد اندرج في قولك: الله الساخط بمعنى الساخط، والراضي، ومعنى المريد، ومعنى القادر، ومعنى العالم، ومعنى الحيّ، ومعنى القدير، ومعنى الموجود، ومن عرفه أنّه الله فقد عرفه أنّ له الخلق، وأنّ الخلق له، ومن عرفه أنّه مالك فقد عرف أنّه له الجند؛ وهم الملائكة، والرسل، والكتب، ومن عرفه أنّه الربّ فقد عرف أنّ له التكليف، والأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، في عباده، وإليه المصير.
وظهور القضيّة في حقّنا شرعًا وعقلا قولك: عبد الله؛ فإذا نحن عبيد الله؛ فنحن له كلّ الوجوه من الوجود والإيجاد؛ فهو الربّ؛ فَسَاسَنَا بالتكليف؛ والربّ هو المصلح، والملك هو القاهر، والإله هو المخترع؛ فمن عرفه ربًّا ولم يعرف أنّه مكلّف عباده فلم يعرفه، ومن عرفه ملكًا ولم يعرف /374/ أنّ الخلق له رعيّة،
(1) في الأصل: اختلافا.