الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٩فإن قيل: فلم كلّفهم الجهاد الذي هرب منه بنو إسرائيل، وسنّه قابيل في هابيل؛ وهو الفساد العظيم في البلاد والعباد؟ قيل له: إنّ العرب الذين هم مبتدأ هذا الدين كان من عاداتهم في الجاهليّة وصنعهم التهاوش(1)، والتقارش(2)؛ وهو كسبهم ونسبهم وحسبهم حتّى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جعل رزقي تحت ظلال السيوف»(3)، فكلّفهم الله الجهاد؛ حيث صار لهم لذّة، وطبيعة، وحرفة، وصنيعة؛ ولو خيِّر الناس في التكليف لاختاروا طلب الدنيا والسعي لها، وهو الشقاء البيّن، ولكن كلّ أحد ووسعه في الراحة والدعة، وللعرب خارجة عن وسعهم، ولا طاقة لهم بها.
شعر:
ومكلّف الأيّام ضدّ طباعها … متطلّب في الماء جذوة نار
كمكلّف الذئب الحلامة لو رأى … خرفان حيّ في فناء الدار
ومن العجائب أن كلّف الله لبني إسرائيل قتل أنفسهم فصبروا، /377/ ولو كلّفهم قتال عدوّهم ما تسارعوا، ولو (ع: ولقد) كلّفت هذه الأمّة ملاقاة العدوّ فتسارعوا، ولو كلّفوا قتل أنفسهم ما قدروا، وقد قال الله - عز وجل -: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ
(1) التَّهاوُشُ: الاختلاطُ؛ أَي يَدْخُل بعضُهم في بعض، وفي حديث قيس بن عاصم: كنت أُهاوِشُهم في الجاهلية؛ أَي أُخالِطُهم على وَجْهِ الإِفْساد. لسان العرب: مادة (هوش).
(2) تقارش القوم: تطاعنوا، يقال: تقارشوا: تشاجروا وتداخلوا في الحرب. لسان العرب: مادة (قرش).
(3) أخرجه بمعناه كل من: أحمد، رقم: 5114؛ وابن أبي شيبة، كتاب الجهاد، رقم: 19401؛ والطبراني في الكبير، رقم: 14109.