الجزء 04
الجزء ٤ · صفحة ٤١٠مِّنْهُمْ} [النساء:66]، وقال في بني إسرائيل حين أمرهم بالقتال، فقالوا لموسى - عليه السلام -: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:24]، ووعد الربّ تعالى في الجهاد الذي هو لذّتهم الظفر، والنصر، والمثوبة، والأجر.
وأمّا قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:286]، وتحت "كسبت" و"اكتسبت" فائدة عظيمة؛ منها: أن فعل وصورته تقتضي ما ينتسب إلى الإنسان من أنّ أفعاله وكسبه، ونسب إليه؛ وإن لم يفعله، وما جرى من ذلك طوعًا وكرهًا؛ فكلّ وزن وافق "كسب" فمحسوب له أجره لقوله: عمل، وفعل، وكسب، وقام، وقعد، وأكل، وشرب، ونام، وعاش، ومات، وفات؛ فكلّ هذا محسوب له أجرًا وذخرًا، بدليل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:162،163]، وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:1،2]، وولده من كسبه؛ بدليل قول ابن عبّاس حين قعد لخصومة بني أبي لهب بالحجر حتّى تواثبوا فوطئوه بأرجلهم؛ فقال: أدركوني من الكسب الخبيث، يريد أولاد بني لهب. ثمّ قال: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾؛ فدلّ على أنّه لا يأخذ من أفعاله، ولا يأثم إلا فيما تعمّده /378/ وتكلّفه واعتقده واكتسبه، كما قال الله - عز وجل -: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:89]، فشدّد وأكدّ. و"افتعل" عند العرب يقتضي الإشغال، والمشقّة، والتكلّف. وأمّا "فعل" و"كسب" فإنّه يأتي عفوًا صفوًا، ويتضمّن الأجور فضلا من الله ورحمة؛ ولهذا عَدُّوا ولد الرجل المؤمن من كسبه، ويؤجر عليه كما يؤجر على سائر كسبه، ومنه قول الله - عز وجل - ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:187]؛ يريد الولد.